د.شريف بن محمد الأتربي
يظل الابتكار هو مفتاح تقدم الأمم؛ فبدون الابتكار لن تملك القدرة على تحسين وتطوير مقدرات حياة المواطن، بل ستظل دائما شعوبا استهلاكية، أسيرة لمن يملك الحل من الدول أو الأمم الأخرى.
يُعرَّف الابتكار بأنه عملية إيجاد أفكار أو حلول جديدة ومبتكرة لمواجهة التحديات أو تحسين الواقع الحالي. إنه يتجاوز حدود التقليد والنمطية ليمنح الإنسان القدرة على خلق منتجات أو خدمات أو أساليب عمل لم تكن موجودة من قبل، ما يساهم في تحقيق التطور والازدهار للمجتمعات. الابتكار هو نتاج الحاجة والفكرة والتبني، فبدون هذه التركيبة لن يكون هناك ابتكار بالمعنى العلمي الصريح، ولكنها عشوائيات متناثرة لا تسمن ولا تغني من جوع، يقوم بها أفراد بشكل فردي غير منظم وغير مخطط له، وبالتالي -وحتى لو أدت إلى نتائج- سيكون أثرها محدودا بصاحبها الذي لم يوثق خطواته، ولم يمنهج مخرجاته.
الابتكار ليس رفاهية في وقتنا الحالي، وأقصد بالحالي هو الآن وليس الغد أو بعده، بل أصبح ضرورة مُلحة تفرضها التحديات المتسارعة التي تواجه المجتمعات والأفراد على السواء. فالعالم اليوم يعيش في عصر تتزايد فيه المنافسة وتتعمق فيه الفجوات التقنية والمعرفية، وأصبح من غير الممكن الاعتماد على الحلول التقليدية أو انتظار الحظ أو الظروف لحل المشكلات. الابتكار هو السبيل الوحيد لضمان الاستدامة ومواكبة التطورات، فهو الذي يمنحنا القدرة على ابتكار حلول تلبي الاحتياجات المتجددة وتحقق لنا التفوق والريادة. نحن نسمع دائما وعلى كافة الأصعدة تبني الدولة للابتكار، ولكن في الواقع والحقيقة لا يوجد لا ابتكار ولا حتى تبني له، فهو ولد يتيما وسيظل كذلك حتى تتغير نظرة أصحاب القرار له ويصبح جزء من معتقدهم الفلسفي في إدارة العمل
وفي هذا الإطار، يتطلب الابتكار منظومة متكاملة من الدعم والرعاية، تبدأ من توفير بيئة محفزة على التفكير الحر والإبداع، وتمر بتشجيع الاستكشاف والتجريب، ولا تنتهي عند حدود التطبيق العملي وتبني الأفكار الجديدة. فكل مجتمع يسعى للنهوض لا بد له أن يغرس في أفراده روح المبادرة والبحث عن حلول غير تقليدية، مع إتاحة الفرصة لتحويل الأفكار إلى واقع ملموس يسهم في تحقيق التنمية الشاملة.
إن الاستثمار في الابتكار هو استثمار في المستقبل، إذ يخلق فرصاً جديدة للنمو الاقتصادي والاجتماعي، ويعزز القدرة على مواجهة الأزمات وتجاوز العقبات. من هنا، يصبح واجبًا على الحكومات والمؤسسات والأفراد تبني ثقافة الابتكار والعمل على ترسيخها في جميع مناحي الحياة، لضمان بناء مجتمع متقدم قادر على المنافسة والريادة في عالم سريع التغير.
مع قرب الاحتفاء باليوم العالمي للابتكار الموافق الحادي والعشرين من إبريل من كل عام، ندعو أصحاب القرار وخاصة في وزارت التعليم إلى تبني نهج جديد يجعل من الابتكار وسيلة لجمع المعرفة واكتساب المهارة، فبناء منظومة ابتكار فاعلة لا يقتصر على تبني السياسات أو إصدار التشريعات فحسب، بل يتطلب تغييرًا عميقًا في الثقافة المجتمعية، بحيث يصبح الابتكار جزءًا لا يتجزأ من سلوك الأفراد والمؤسسات. وينبغي أن تبدأ هذه الثقافة من التعليم المبكر، حيث يتم غرس قيم التفكير النقدي، وتشجيع الطلاب على طرح الأسئلة، والبحث عن إجابات جديدة خارج إطار المألوف. إن المجتمعات التي تحتضن المبدعين وتمنحهم المساحة للتجربة والخطأ هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أفضل، وتجاوز تحديات الحاضر بثقة واقتدار.