د. سجى عارف
التطوير في مجال الصحافة السعودية لم يعد رفاهية، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها التحولات التقنية وتغير سلوك الجمهور وتنامي المنافسة الإقليمية والدولية. رغم ذلك ما زال هناك مؤسسات إعلامية تعمل بمنطق إدارة اللحظة، بينما يتطلب المستقبل إدارة للمعرفة والبيانات والتوقعات، فالمستقبل جزء من القرار اليومي داخل هذه المؤسسات.
تشير الدراسات العلمية في مجال مستقبل الإعلام إلى ثلاث حقائق مركزية: أن المؤسسات التي لا تبني قراراتها على تحليل البيانات تفقد 40 % من قدرتها التنافسية، وأن غرف الأخبار التي تعتمد على النماذج التنبؤية تزيد تفاعل الجمهور فيها بنسبة تتجاوز 60 %، وأن المحتوى الذي يُبنى على تحليل سلوك المستخدم يحقق ضعف الانتشار مقارنة بالمحتوى التقليدي. وهذه الحقائق ليست ترفًا علميًا، بل أساسًا لصناعة إعلام قادر على المنافسة والبقاء.
لقد حققت المملكة قفزات كبيرة في البيئة التنظيمية، والتحول الرقمي، وتنويع المحتوى، وبناء منصات وطنية مؤثرة، لا يُمكن إنكارها لكن التحدي الأكبر يكمن في وجود فجوات حقيقية تعيق هذا التحول منها غياب مراكز تفكير إعلامية داخل المؤسسات، وضعف الاستثمار في تحليل البيانات الصحفية، وغياب نموذج عمل مستقبلي يربط بين المحتوى والاقتصاد والابتكار، وكذلك في الاعتماد على رد الفعل بدلًا من صناعة الفعل.
الفجوة الحقيقية ليست في الأدوات، بل في المنهج، فالأدوات متاحة والتقنيات موجودة، لكن ما ينقص هو منهجية واضحة لإدارة المحتوى وحوكمة تحريرية، ونموذج اقتصادي مستدام، بالإضافة إلى الحاجة إلى ثقافة مؤسسية تؤمن بالبحث العلمي، فالدراسات العلمية ليست مجرد مراجع بل هي محركات للقرار.
نحن بحاجة إلى إنشاء وحدات لتحليل بيانات المحتوى داخل المؤسسات، وحدات ولو كانت صغيرة ستحدث فرقًا كبيرًا في تحليل سلوك الجمهور، وقياس أثر المحتوى، وتحديد الفجوات، وبناء خرائط لموضوعات مستقبلية، وتتكون هذه الوحدات من محلل بيانات وصحفي متخصص ومطور تقني، حتى ترتفع نسبة التفاعل إلى 20 % خلال 6 أشهر.
كما أننا بحاجة ماسة لتأسيس مختبرات المحتوى داخل غرف الأخبار، وإن كانت مختبرات تجريبية إلا أنها تُسهم في إنتاج محتوى تفاعلي، وآخر بصري، وثالث قائم على الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن اختبارها لنماذج أولية لأفكار جديدة قبل نشرها، وهي مفيدة لتقليل الهدر التحريري وزيادة جودة المحتوى.
إننا بحاجة أيضًا لبناء نموذج اقتصادي للمحتوى فلا يُمكن أن تستمر الصحافة بلا اقتصاد، كي ننتج محتوى مجاني، أو محتوى مدفوع، أو محتوى متخصص، ونُقدم خدماتٍ تحليلية، ونبني على أثره شراكات معرفية، بل إننا بحاجة ماسة لإطلاق مؤشر الثقة الإعلامية السعودي ليعيد تعريف المنافسة بين المؤسسات ممن ينشر أولًا إلى من ينشر محتوى أفضل، كونه مؤشر سنوي يقيس جودة المحتوى والتزام المؤسسات بالمعايير المهنية، ومستوى الشفافية، وأثر الصحافة في المجتمع.
إن تحويل الأرشيف الصحفي إلى ثورة رقمية مطلب حقيقي للحفاظ على إرث تاريخي ممتد عبر سنوات طويلة ليس لكونه ذاكرة ثقافية ومعرفية فقط، بل لأنه مصدر محتوى وبيانات وقصص ووثائق وهو مصدر يمكن تحويله إلى منتجات رقمية جديدة.
إن أي تحول إعلامي يواجه مقاومة من داخل المؤسسات نفسها، يقاومه من اعتاد العمل بلا أرقام، ومن يخشى أن تكشف البيانات ضعف الأداء، ومن يرى أن التحول يهدد نفوذه، ولذلك فإن نجاح التحول يتطلب حماية صناعة التغيير من الاستهداف الداخلي، وتدريب الكوادر على الأدوات الجديدة، وإعادة تعريف الأدوار داخل غرف الأخبار.
الصحافة السعودية اليوم أمام فرصة تاريخية لتنتقل من كونها تلاحق الحدث إلى كونها صانعه له، ومن كونها مؤسسة تكتب المستقبل إلى مؤسسة تدار بمنطق المستقبل، ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح داخل غرف الأخبار الآن، هل نريد أن نكون جزءًا من المشهد أم جزءًا من صناعته؟