صالح الشادي
عند مفترق الطرق هذا، حيث تلتقي ستون شمساً أشرقت وغربت على درب حياتي، أقف متأملاً ذلك الكائن الذي كنتُه وذاك الذي صرت إليه. ستون عاماً ليست مجرد رقم في سجل العمر، بل محطة تأمل عميقة في معنى الوجود. قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «أعذر الله إلى امرئ آخر أجله حتى بلغه ستين سنة»، أي أن الإنسان إذا بلغ هذه المرحلة فقد انقطعت حجته، وأصبح في موضع لا مجال فيه للتردد بين الخير والشر. وفي التراث العربي قيل: «الستون صيف العمر وخريف العقل». ومن مزاياه العظمى نضج الحكمة بعد تجارب أربعة عقود من العمل والحياة، وتحرر من وهم الكمال، فيدرك الستيني أن الحياة ليست سباقاً نحو المثالية، بل رحلة تتجلى فيها المعاني. كما يتمتع بعمق العلاقات إذ يختزل الدائرة الاجتماعية إلى من يهمون حقاً، ويذوق السلام الداخلي حيث يقل الصراع مع الذات ومع الآخرين.
الأبحاث العلمية تؤكد جمال هذه المرحلة وتفردها. فدراسة هارفارد للسعادة التي استمرت ثمانين عاماً أثبتت أن جودة العلاقات الاجتماعية في الستين تتنبأ بالسعادة في السبعين والثمانين أكثر من عوامل الصحة أو الثروة. كما أثبت علم الأعصاب الحديث، خلافاً للاعتقاد السائد، أن الدماغ يستمر في تكوين خلايا عصبية جديدة في الستين، خاصة مع التعلم المستمر والنشاط البدني. وتقول نظرية «اختيار الضغوطات» للعالمة لورا كارستنسن إن كبار السن يميلون لتركيز اهتمامهم على الجوانب الإيجابية وتجاهل السلبية، مما يزيد سعادتهم. بل إن الأبحاث أظهرت أن الستينيين أقل تفاعلاً مع الإجهاد اليومي وأكثر قدرة على تنظيم المشاعر مقارنة بالشباب، وكأن الطبيعة تكافئهم على عقود من الكفاح بهذا الهدوء الداخلي.
أتذكر كيف كنت أنظر إلى الستين وأنا طفل صغير. كان جدي الذي جاوز الستين يملأ البيت وقاراً، وعصاه رمزاً للسلطة، ونظارته رمزاً للحكمة. كنت أظن أن الستيني ينام ولا يحلم، يأكل ولا يتلذذ، يتحدث ولا يخطئ. ظننت أن الوصول إلى الستين مثل بلوغ قمة جبل حيث تتوقف كل الأسئلة وتنتهي الحيرة. كنت أخاف من الستين كما يخاف الطفل من الظلام: خوفاً من المجهول. والآن، وأنا احلق على مشارف ذلك العمر الذي كان يبدو بعيداً كالنجوم، أكتشف أنني ما زلت ذلك الطفل في داخلي. الستون لم تحل كل معضلاتي، بل علمتني أن العيش مع الأسئلة أبلغ من الإجابات اليقينية. اكتشفت أن الحكمة ليست معرفة كل شيء، بل معرفة ما يستحق المعرفة حقاً. هي أن تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى تناضل ومتى تسامح. هي القدرة على قول «لا أعرف» دون خجل، وقول «أخطأت» دون كبرياء زائف. إنها النضج الذي يجعلك تضحك على أخطائك القديمة بدل أن تحزن عليها.
وعاطفة الستيني ليست أقل حدة، بل أكثر عمقاً. بكائي الآن على فراق صديق أشد ألماً مما كنت أبكي في العشرين، لكن فرحي بقدوم مولود يكون أكثر صفاءً وصدقاً. الستيني يحب بعمق أكبر لأنه يعرف أن كل لحظة قد تكون الأخيرة، لا يهدر مشاعره في أوهام بل يركزها على من يستحقونها. أما في السلوك فأنا أبطأ مما كنت، لكنني أصلح مما كنت. أتذكر عندما كنت في الثلاثين ظننت أن الفعل السريع هو الفعل الحازم، أما الآن فأعرف أن التروي ليس ضعفاً. أعتذر بسهولة أكثر، وأسامح بسرعة أكبر، وأنام مرتاحاً على قراراتي حتى لو كانت خاطئة. سلوكي لم يعد موجهاً لإثبات شيء لأحد، بل لإرضاء ضميري وراحة بالي. لقد تعلمت أن أترك الأمور الصغيرة تمر، وأن أعطي كل ذي حق حقه، وألا أطلب من الحياة أكثر مما تعطي.
الستون ليست نهاية اللعبة، بل هي الشوط الثالث في مباراة العمر. الشوط الأول كان التعلم والنمو، والثاني العمل والإنجاز، والثالث هو وقت الحصاد. لكن الحصاد ليس تخزيناً للماضي، بل زراعة جديدة ببذور مختلفة. أنا الآن لا أحسد الشباب على حيويتهم، ولا أشيخ على أترابي في الثمانين على حكمتهم. أنا في مكاني تماماً: أحتاج إلى نظاراتي لأقرأ، لكن عيني ترى بوضوح جوهر الناس من أول نظرة. أتعب من صعود الدرج، لكن روحي تطير أبعد مما كانت. أنام وقتما انعس، لكن أحلامي أكبر مما كانت. والعجيب أنني عندما كنت طفلاً ظننت أن الستيني يعرف كل شيء، واليوم أعرف أنني لا أعرف سوى أنني لا أعرف شيئاً. وهذا هو سر الستين: أن تصل إلى نقطة تدرك فيها أن السؤال أبلغ من الجواب، وأن الرحلة أهم من الوجهة، وأن العمر كله كان مجرد إعداد لهذه اللحظة التي تبدأ فيها فعلياً بفهم ما يعنيه أن تكون إنساناً.
فمن كان في الستين فليبتهج، ومن كان دونها فليعلم أن الستين ليست شيخوخة بل نضج ثانٍ. وكلنا في الطريق إليها سواء عاجلاً أم آجلاً. فلنجعل الطريق إليها جميلاً كي تكون المحطة جديرة بانتظارنا، ولنتذكر أن العمر ليس سنوات نعيشها، بل حياة نضخها في تلك السنوات.