د. علي بن عالي السعدوني
لم تكن المملكة العربية السعودية يومًا مقصِّرة في ملف الطرق بين المدن والمحافظات، ولم يكن ما أُنجز في هذا القطاع مجرد أعمال تعبيد عابرة تُسجَّل في تقارير المشاريع السنوية ثم تُنسى، وإنما كان مشروعًا وطنيًا كبيرًا ارتبط بفكرة الدولة الحديثة التي تدرك أن الطريق ليس مجرد مساحة إسفلتية تصل بين نقطتين على الخريطة، وإنما هو شريان حيوي تتنفس من خلاله التنمية الاقتصادية، وتتحرك عبره التجارة، وتُبنى عليه تفاصيل الحياة اليومية للمواطن؛ لأن الموظف الذي ينتقل إلى مقر عمله، والطالب الذي يسافر إلى جامعته، والمريض الذي يبحث عن مركز طبي متخصص، والأسرة التي تقطع المسافات الطويلة بين المدن من أجل الزيارة أو العلاج أو الاستقرار المعيشي جميعهم لا ينظرون إلى الطريق بوصفه خدمة ثانوية، وإنما بوصفه جزءًا من أمنهم الشخصي واستقرارهم النفسي وحقهم الطبيعي في الوصول الآمن الكريم. ولهذا فإن الإنصاف يقتضي القول إن الدولة دفعت على هذه الطرق مبالغ هائلة، وأنفقت عليها من الجهد والتخطيط والرقابة والصيانة ما يجعلها واحدة من أكبر شبكات الطرق في المنطقة وأفضلها من حيث الجودة، ولم يكن ذلك الإنفاق ترفًا ماليًا ولا مشروعًا شكليًا لتحسين الصورة، وإنما كان استثمارًا مباشرًا في الإنسان وفي استقرار المجتمع وفي بناء اقتصاد متصل الأطراف.
غير أن المحافظة على هذا المنجز الكبير لا تقل أهمية عن إنشائه، فالطريق الممتاز عند افتتاحه قد يفقد كثيرًا من قيمته بعد سنوات إذا غابت الصيانة الدقيقة المستمرة، وتأخرت معالجة الحفر والتشققات، وضعفت الإنارة في المسارات الحيوية، واستمر خطر الحيوانات السائبة على الطرق السريعة، وبقيت الشاحنات الثقيلة تسير في المسار ذاته مع المركبات الصغيرة بما يحمله ذلك من تفاوت كبير في الحجم والخطورة واحتمالات الحوادث، وفي هذا لا تكون المشكلة في أصل المشروع، وإنما في فلسفة التشغيل التي تحتاج إلى تطوير يواكب حجم ما أُنجز ويحفظه من التآكل البطيء ووزارة النقل تقوم بعمل كبير في هذا، بما جعل شبكة طرق المملكة تتمتع بالجودة بفضل الصيانة الدورية.
ومن هذا المنطلق يظهر اقتراح جدير بالنظر أمام وزارة النقل والخدمات اللوجستية، يتمثل في خصخصة تشغيل بعض الطرق الحيوية بين المدن، لا بمعنى التخلي عن مسؤولية الوزارة أو نقل العبء الكامل إلى المواطن، وإنما بمعنى بناء شراكة تشغيلية، تبقى فيها الوزارة صاحبة القرار والرقابة وواضعه الاشتراطات الصارمة، بينما تتولى شركات متخصصة مسؤولية التشغيل اليومي والصيانة المستمرة والمحافظة على مستوى الجودة، بحيث يصبح الطريق خدمة واضحة المعايير برقابة ومتابعة الوزارة، ومع الخصخصة تصبح الشركة المشغلة مسؤولة بصورة مباشرة عن جودة السفلتة، وسرعة إصلاح أي خلل يظهر على الطريق، ومعالجة الحفر متى وجدت قبل أن تتحول إلى سبب لحوادث قاتلة، وإنشاء مسارات مستقلة للشاحنات الثقيلة التي لا يجوز أن تبقى في المسار نفسه مع السيارات الصغيرة؛ كما تصبح مسؤولة عن إقامة سياج ممتد يمنع دخول الحيوانات السائبة، وعن توفير إنارة مستمرة تحفظ للمسافر سلامته في الليل كما تحفظها الحواجز في النهار.
ويمكن أن يقوم هذا النموذج على رسوم عبور معقولة تُحصّل كل مائتين وخمسين كيلومتراً عبر نقاط دفع واضحة ومنظمة تُنشأ على امتداد الطريق في مواقع مخصصة لهذا الغرض، بحيث يصل المسافر إلى منطقة دفع معروفة ومهيأة لا تعطل الحركة ولا تربك السير، وتكون رسوم السيارات الصغيرة مختلفة عن رسوم الشاحنات الثقيلة وفق حجم الاستخدام وتأثير كل فئة على الطريق، وبذلك لا يتحول الدفع إلى عبء مفاجئ، وإنما يصبح جزءًا مفهومًا من عقد خدمة واضح يدفع فيه المواطن مقابل طريق مضمون الجودة، وصيانة مستمرة، وخدمة طوارئ فعَّالة، وتعويض مباشر عند وقوع أي ضرر ناتج عن تقصير الشركة المشغلة.
وفي هذا تتحقق فائدة مهمة أخرى تتعلق بتقليل الأعباء المالية السنوية التي تتحملها الدولة، فالمملكة تنفق كل عام مبالغ ضخمة جدًا على صيانة هذه الشبكات الواسعة من الطرق ومتابعتها وصيانتها وتشغيلها، والخصخصة المنظمة لا تعني تحميل المواطن كلفة جديدة بقدر ما تعني توزيع المسؤولية المالية والتشغيلية، بحيث يصبح القطاع الخاص شريكًا في المحافظة على هذا المنجز الوطني، بينما تتفرغ الدولة لتعزيز الرقابة ورفع المعايير.
والناس في حقيقتها تؤيد الدفع حين ترى أمامها خدمة حقيقية تحفظ سلامتها وتختصر قلقها.
وهذا التصور ينسجم تمامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تنظر إلى البنية التحتية بوصفها جزءاً أصيلاً من جودة الحياة، فلعل وزير النقل والخدمات اللوجستية معالي المهندس صالح الجاسر يتبنى هذا المقترح إذا كان يرى فيه وجهة نظر مقبولة.