مهدي آل عثمان
في كل مجتمع يسعى إلى الاستقرار والعدل تبقى مهمة الدولة الأساسية هي حماية الناس من الممارسات التي تتحول مع الوقت إلى أعباء تهدد السلم الاجتماعي، حتى وإن بدأت في أصلها بدوافع مشروعة. ومن هنا جاءت الحكمة المأثورة المنسوبة إلى عثمان بن عفان: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، وهي عبارة تختصر معنى عميقاً مفاده أن بعض القضايا لا يكفي فيها الوعظ والنصح وحدهما، بل تحتاج إلى تنظيم حازم يحقق المصلحة العامة ويمنع الضرر عن المجتمع.
ومن القضايا التي باتت تستحق الوقوف الجاد والمراجعة الصريحة اليوم، ما وصلت إليه بعض الديات من أرقام فلكية ومبالغات مرهقة تجاوزت حدود المعقول، حتى أصبحت بعض المطالبات تصل إلى عشرات الملايين، بل تخطت في بعض القضايا سقف الثمانين والمئة مليون ريال، في مشهد يثير كثيراً من التساؤلات حول مدى اتساق هذه الممارسات مع روح الشريعة ومقاصدها القائمة على العدل ورفع الحرج والتيسير على الناس.
لا أحد يختلف على أن العفو من أعظم القربات، وأن الإصلاح بين الناس باب عظيم من أبواب الأجر، كما أن قبول الدية حق مشروع كفله الشرع لأولياء الدم، لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين تتحول بعض قضايا الديات إلى مزايدات اجتماعية مفتوحة، تتسابق فيها الأرقام بصورة تخرج عن مقصد الإصلاح إلى دائرة الضغط والتفاخر، وإثقال كاهل المجتمع والقبائل وأهل الخير.
لقد أصبحت بعض القبائل والأسر تعيش تحت ضغط اجتماعي واقتصادي هائل بسبب هذه المبالغات، حيث تُفتح حملات التبرعات، وتُجمع الأموال من هنا وهناك، وتدخل في نطاق الحياء الاجتماعي، بينما يعيش أهل الجاني سنوات من القلق والاستنزاف النفسي والمادي. وفي المقابل، فإن المجتمع بأكمله يتحمل آثار هذه الظاهرة التي بدأت تتحول إلى عبء اجتماعي حقيقي يهدد قيم التراحم والتكافل نفسها.
والمؤلم أكثر أن هذا الملف الحساس أصبح في بعض الحالات مجالاً لظهور فئة تتصدر المشهد تحت شعارات الإصلاح والسعي في العفو، بينما تشير كثير من الوقائع إلى أن بعض هؤلاء، والله أعلم بالنيات تحولوا إلى متاجرين بالدماء بصورة غير مباشرة، من خلال إشعال المزايدات ورفع سقف المطالبات والتفاوض على أرقام متصاعدة، حتى أصبحت بعض القضايا تُدار وكأنها صفقات مالية لا قضايا صلح وإصلاح. ولا يمكن إنكار وجود رجال إصلاح مخلصين بذلوا جهوداً عظيمة في حقن الدماء وتقريب النفوس، وكان لهم أثر كبير في إنهاء الخصومات، لكن المشكلة تكمن في أولئك الذين وجدوا في هذه القضايا مساحة للنفوذ الاجتماعي أو الحضور الإعلامي أو صناعة الأسماء، حتى بات بعضهم يقتات على مآسي الأسر وآلامها، ويُسهم بقصد أو بغير قصد في تضخم الأرقام وتحويل العفو إلى ساحة مزايدات لا تنتهي.
ومع مرور الوقت، أصبح بعض أولياء الدم يتأثرون بهذه الأجواء المشحونة، فترفع المبالغ بصورة مبالغ فيها تحت تأثير الوسطاء أو ضغط المجتمع أو الرغبة في تسجيل أرقام غير مسبوقة، بينما تغيب روح التسامح الحقيقية التي قامت عليها الشريعة الإسلامية. فالدية في أصلها لم تُشرع لتكون باباً للاستنزاف أو الاستعراض، وإنما شُرعت لتحقيق الصلح وحقن الدماء وإغلاق أبواب الثأر والفتن.
إن الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح الناس ورفع الضرر عنهم، ولم تترك القضايا العامة دون تنظيم يحقق العدالة ويمنع الفوضى. ولهذا فإن الحاجة أصبحت اليوم ملحة لأن تتدخل الجهات الشرعية والتنظيمية لدراسة هذا الملف بصورة جادة، وفي مقدمتها هيئة كبار العلماء، بما يحقق التوازن بين حقوق أولياء الدم والمصلحة العامة للمجتمع.
لقد شهدت المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية قرارات تنظيمية عديدة صدرت لمصلحة المجتمع، وربما تحفظ البعض عليها في بداياتها، ثم أثبتت الأيام آثارها الإيجابية الكبيرة، مثل تنظيمات التأمين الإلزامي، وأنظمة السلامة المرورية، وربط كثير من الحقوق والإجراءات بأنظمة تحفظ مصالح الناس وتقلل النزاعات والخسائر. وكل هذه القرارات جاءت من باب السياسة الشرعية التي تقوم على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، ولم تكن مصادمة للشريعة، بل منسجمة مع مقاصدها الكبرى.
ومن هذا المنطلق، فإن وضع سقف محدد للديات، أو إيجاد تنظيم واضح وملزم لها، لا يتعارض مع أحكام الشرع، بل قد يكون ضرورة لحماية المجتمع من الانفلات والمبالغات التي بدأت تتسع بصورة لافتة. فولي الأمر حين ينظم بعض القضايا المالية والاجتماعية إنما يفعل ذلك حفاظاً على مصالح الناس واستقرارهم، ومنعاً لتحول بعض الممارسات إلى أزمات اجتماعية واقتصادية متفاقمة.
إن المجتمع اليوم لا يحتاج إلى تضخم الأرقام بقدر حاجته إلى ترسيخ قيم العفو الحقيقي والإصلاح الصادق، بعيداً عن الضغوط والمزايدات والمتاجرة بالمآسي. كما أن استمرار هذه الظاهرة دون تنظيم واضح قد يؤدي مستقبلاً إلى آثار أخطر، سواء على مستوى التماسك الاجتماعي أو على مستوى استنزاف المجتمع مادياً ونفسياً.
ولهذا فإن فتح نقاش علمي وشرعي واجتماعي حول واقع الديات لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة ملحة لحماية المجتمع وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، بما يحقق مقاصد الشريعة في العدل والرحمة ورفع الحرج عن الناس.
ويبقى القول المأثور حاضراً في مثل هذه القضايا: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، فبعض المشكلات لا يكفي فيها الوعظ وحده، بل تحتاج إلى قرار منظم وحازم يحقق المصلحة العامة، ويحفظ للمجتمع توازنه، وللشريعة روحها القائمة على العدل والرحمة والتيسير.