د. طلال الحربي
حين يجتمع صانعو القرار الحضري في مدينةٍ على تقاطع القارات، ويحملون معهم أثقال التحديات التي تعصف بمدن العالم من أزمات الإسكان إلى التغير المناخي ومتطلبات الاستدامة، فإن الحضور الذي يُلفت الأنظار ويستوقف المتأملين ليس بالضرورة حضور الأكبر مساحةً أو الأعلى صوتًا، بل هو حضور من يأتي حاملًا تجربةً حيّة تنطق بنفسها، وإنجازًا ملموسًا يتجاوز حدود البيانات والإحصاءات ليلامس حقيقة التحول والبناء. وهذا بالضبط ما قدّمته المملكة العربية السعودية في المنتدى الحضري العالمي الثالث عشر المنعقد في باكو.
لم تكن مشاركة المملكة مجرد حضور بروتوكولي في ركب الأمم المتوافدة، بل جاءت في طليعة المشهد نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد -حفظهما الله-، بما ينطوي عليه هذا التفويض من دلالةٍ راسخة على أن قيادة المملكة تُدرك أن ساحات الحوار الدولي حول مستقبل المدن ليست هامشًا دبلوماسيًا، بل هي ميدانٌ حقيقي لتشكيل السياسات وصياغة المستقبل. وقد حمل الوفد السعودي برئاسة معالي وزير البلديات والإسكان قصةً وطنية استثنائية تختزل في فصولها عقدًا من التحولات الجذرية التي أعادت رسم ملامح المشهد الحضري في المملكة من أقصاها إلى أقصاها.
والمنتدى الحضري العالمي بطبيعته ليس منصةً للمفاخرة بالأرقام بمعزل عن السياق، بل هو مختبرٌ فكري وسياسي يُفترض فيه أن يُنتج مقاربات قابلة للتطبيق في سياقات متباينة.
ومن هذه الزاوية بالذات تكتسب المشاركة السعودية ثقلها الاستثنائي؛ فما تحمله التجربة السعودية اليوم ليس نموذجًا نظريًا تتزاحم حوله الشعارات، بل هو تجربة مدن يُبنى بعضها من الصفر في بيئات تحدّت قوانين الجغرافيا وحدود المتخيّل، ونماذج في الإسكان الميسور أسهمت في قلب معادلات ملكية السكن لصالح المواطن، وبنية تحتية ذكية تُعيد تعريف مفهوم الكفاءة الحضرية.
وتأتي هذه المشاركة في توقيتٍ لا يمكن فصله عن قراءته بعين الإستراتيجي؛ إذ تشهد المدن حول العالم ضغوطًا متصاعدة لم يسبق لها نظير، في مقدمتها أزمة إسكان باتت تتجاوز طاقة الحلول التقليدية وتستدعي نماذج تفكير جديدة تجمع بين الجرأة السياسية والابتكار التمويلي والشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص.
وقد وضعت المملكة نفسها في موقع من يملك ليس فقط التصورات، بل الأدوات التنفيذية الفعلية والتجارب الميدانية الجاهزة للتشارك والاحتذاء.
وما أثراه الجناح السعودي في باكو من عرض تجربة التحول الحضري والإسكاني لم يكن استعراضًا لمنجزات ماضية فحسب، بل كان دعوةً لحوارٍ مستقبلي حول الأُطر التي تجعل المدينة كائنًا حيًا يستجيب لاحتياجات ساكنيه لا مجرد كيانٍ هندسي مسقوف بأهداف كمية. وفي هذا السياق، احتلّت اللقاءات الثنائية مع الوزراء والمسؤولين الدوليين أهميةً محوريةً بوصفها مساحةً لتحويل الرؤى المشتركة إلى آليات تعاون عملية، تتجلى في مذكرات تفاهم تُرسي شراكاتٍ حقيقية في ميادين الإسكان والمدن الذكية والاستدامة الحضرية.
غير أن اللحظة الأكثر تعبيرًا عن عمق التفكير الإستراتيجي السعودي جاءت مع إطلاق برنامج ماجستير الإدارة التنفيذية للمدن بالشراكة مع جامعة الملك سعود؛ فهذه المبادرة لا تقرأ مستقبل المدن من منظور البنية التحتية وحدها، بل تُقرّ صراحةً بأن العقل البشري المدرَّب والقيادات المؤهلة هي العمود الفقري لأي تحول حضري مستدام. إنها في جوهرها رهانٌ واثق على أن بناء كوادر قادرة على إدارة المدن بكفاءة وابتكار هو الاستثمار الأطول عمرًا والأبعد أثرًا.
ويمثل “نداء باكو للعمل” الذي سيُوجّه السياسات الحضرية العالمية حتى عام 2036 امتدادًا طبيعيًا لما أرسته أجندة التنمية المستدامة من مرتكزات، وفي مقدمتها الهدف الحادي عشر الرامي إلى مدنٍ شاملة وآمنة ومرنة ومستدامة. والمملكة، إذ تساهم في صياغة هذا المسار الدولي، تفعل ذلك من موقع الشريك الفاعل لا المتلقّي المنفعل، بما يعني أن تجربتها الوطنية ستُلقي بظلالها على ما سيتمخض عن هذا المنتدى من توجهات وتوصيات.
والحق أن ما يشهده القطاع الحضري السعودي اليوم ليس وليد اليوم، بل هو ثمرةٌ طبيعية لإرادة سياسية صافية وقيادة استشرفت قبل عقدٍ من الزمن أن المدينة هي الرهان الأكبر في معادلة جودة الحياة، وأن التنمية الحضرية الحقيقية لا تبدأ بالطوب والإسمنت بل تبدأ بالإنسان ومتطلباته وتطلعاته.
ومن هذا المنطلق جاءت رؤية 2030 لتُعيد تأطير العلاقة بين المواطن والمدينة، وتجعل من جودة الحياة الحضرية هدفًا استراتيجيًا ذا أولوية قصوى لا مجرد وعدٍ او خيار مرحلي.
إن ما قدّمته المملكة العربية السعودية في باكو يستحق التأمل بعينٍ تتجاوز الإشادة كمشاركة إلى استيعاب ما تعنيه تجربةٌ كهذه في سياق عالمي يشحّ فيه النموذج الناجح ويُلحّ فيه الطلب على مقاربات تجمع بين الطموح والواقعية، بين الرؤية البعيدة والتنفيذ المحكم. ويبقى المعيار الفصل في نهاية المطاف: ليس من يتحدث بأبلغ عبارة في قاعة المنتدى، بل من يعود إلى أرضه وقد صنع من مدنه شواهد ناطقة يشهد لها العالم وتُلهم الأجيال.