عبدالعزيز صالح الصالح
الله سبحانه وتعالى يخاطب عباده المسلمين قاطبة على أنهم أمَّة واحدة.. فلم يخص أمَّة بعينها كما قال الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (92) سورة الأنبياء.
إن كتاب الله الكريم يؤكد على وحدة هذا الدِّين العظيم ويؤكد على وحدة الأمَّة الإسلاميَّة وتكافلها وتعاونها ووحدة شعوبها، كما قال نبي الأمَّة مُحَّمد بن عبدالله -صلوات الله وسلامه عليه-: «مَثَلُ المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائرُ الجسدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى». فالعبادات تعزز معاني الوحدة الإسلاميَّة من صلاة وصيام وزكاة وحج وتؤكد معنى الوحدة والأخوة في نفوس المؤمنين وتجمع قلوبهم على الألفة والمحبَّة والتَّعاون والتكاتف والتماسك على الرغم من تباعد الأوطان، وتنوع اللغات، وتعدد الجنسيَّات.لقد اهتم الإسلام بتعميق المعاني السامية والسلوكيات الفريدة كالتقوى والحلم والصبر والجلد والنّصح والإرشاد لكل مسلم والإصلاح والإيثار وتقديم العون والمساعدة عند الكروب والمصائب والشدائد وإغاثة الملهوف، فقد قال الباري عزَّ وجلَّ: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) (103) سورة آل عمران.
إن الوحدة الإسلامية الشاملة ليست مجرد أمنية، بل هي هدف من الأهداف القيِّمة التي تخاطب بها الأمَّة قاطبة، وذلك من أجل تقوية الروابط بين المسلمين في شتَّى أنحاء المعمورة، فلا أمل للمسلمين إلاَّ بالوحدة.
وقد أبدع الشاعر الكبير الأستاذ مُحَّمد إقبال -رحمه الله- قائلاً:
الصين لنا والهند لنا
والعرب لنا والكل لنا
أضحى الإسلام لنا دينا
وجميع الكون لنا وطناً
توحيد الله لنا نور
أعددنا الرُّوح له سكناً
الكون يزول ولا تُمحى
في الدهر صحائف سُؤددنا
بُنِيَت في الأرض معابدنا
والبيت الأول كعبتنا
هو أوَّل بيت نحفظه
بحياة الروح ويحفظنا
في ظل السيف تَربَّيْنا
وبنينا العز لدولتنا
عَلَم الإسلام على الأيَّام
شعار المجد لملتنا
بهلال النصر يضيء لنا
ويمثل خنجر سطوتنا
وأذان المسلم كان له
في الغرب صدى من همتنا
قولوا لسماء الكون لقد
طاولنا النجم برفعتنا
يا دهر لقد جربت على
نيران الشدة عزمتنا
طوفان الباطل لم يُغْرِق
في الخوف سفينة قوتنا
يا ظل حدائقِ أندلس
أَنَسِيتِ مغانيَ عشرتِنا
يا أرض النور من الحرمين
ويا ميلاد شريعتنا
روض الإسلام ودوحته
في أرضك رواها دمنا
ومحمد كان أمير الركب
يقود الفوز لنصرتنا
إن اسم محمد الهادي
روح الآمال لنهضتنا
دوت انشودة إقبالٌ
جرسا يحدو فيه الزمنا
ليعيد قوافلنا الأولى
في المجد ويبعث أمتنا
فالإسلام جاء ليجمع القلب إلى القلب، ويضم الصف إلى الصف، حتى يكون لهذا الكيان الموحد القدرة على تحقيق الغايات والأهداف والمقاصد النبيلة، ولا شك أن هذا الطريق الطويل يحتاج إلى جهود المخلصين من العُلَماء والدعاة والقادة المخلصين في الأمة الإسلاميَّة تطبيقاً عملياً، وسلوكاً حياً، وملموساً في هذه الحياة، فوحدة الإسلام أقوى من الآلام وأكبر من الحواجز، بل هي القوَّة الوحيدة التي لا يستطيع الأعداء قهرها أو إذلالها لأنها لا تعترف بالمادِّيَّات والمظاهر، بل تفرض وجودها كالقدر المبرم يوم يتجه كل مسلم إلى الباري عزَّ وجلَّ ليصلي له أو يدعوه.. والله الموفِّقُ والمعين.