د.عيد بن حجيج الفايدي
يكتسب المطار المقترح اسمه من عرفات، ويبعد جنوب غرب عرفات في حدود أربعين كيلو متر، ولا تعد فكرة حلم «مطار عرفات للحجاج» باعتبارها مشروع نقل جوي جديد، بل بوصفها تحولًا عميقًا في أسلوب وطريقة خدمة ضيوف الرحمن، وانتقالًا بالحج من رحلة مرهقة متعددة المحطات إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من منزل الحاج وتنتهي عند المشاعر المقدسة بأعلى درجات السهولة والكرامة والتنظيم. فالحج لم يعد مجرد انتقال جغرافي، بل أصبح منظومة عالمية معقدة تتقاطع فيها إدارة الحشود والتقنية والذكاء الاصطناعي والخدمات الصحية والأمنية واللوجستية، وهو ما يجعل التفكير في مطار متخصص بالحجاج فكرة أقرب إلى التخطيط الإستراتيجي للمستقبل منها إلى الترف العمراني.
لقد أثبتت المملكة قدرة استثنائية على تطوير تجربة الحاج فمن وزارة فريدة في العالم هي وزارة الحج.. وانشاء مدن موسمية للحجاج إلى التحول الرقمي الفريد وتنفيذ مبادرات نوعية متنوعة.. مثل «مسار مكة»، الذي اختصر إجراءات السفر والجوازات في بلدان الحجاج قبل وصولهم، ومبادرة «الحج بلا حقيبة» التي خففت عن الحاج أعباء التنقل وحمل الأمتعة بين المطارات ومقار السكن. ومع تطور هذه المبادرات ودمجها ضمن منظومة تشغيل موحدة، يمكن أن تتغير فلسفة الرحلة بالكامل؛ بحيث يغادر الحاج منزله في أقصى العالم ليصل إلى عرفات وكأنه في رحلة داخلية هادئة ومباشرة، دون ازدحام خانق أو انتقالات طويلة أو إنهاك نفسي وجسدي قبل بدء المناسك.
ومن هنا تظهر القيمة الإنسانية للمشروع؛ فالحاج، وخاصة كبار السن والمرضى والنساء والأطفال، لا يحتاج فقط إلى وسيلة نقل، بل إلى رحلة أكثر رحمة وطمأنينة ووضوحًا. فكل ساعة انتظار مرهقة، وكل انتقال معقد، وكل ازدحام طويل، يستهلك من طاقة الحاج النفسية والجسدية قبل أن يبدأ أعظم أيام حياته الروحية. ولذلك فإن أي مشروع يخفف هذا العبء لا يمكن النظر إليه بلغة الأرقام وحدها، بل بمنظار إنساني وحضاري وديني أوسع.
كما أن إنشاء مطار متخصص بالحج سيمنح الجهات المنظمة قدرة أكبر على إدارة التدفقات البشرية الهائلة بكفاءة ومرونة أعلى، خاصة إذا ارتبط مباشرة بشبكات القطارات والحافلات الذكية داخل المشاعر المقدسة. ويمكن أن يتحول المشروع إلى مدينة تشغيلية متكاملة تضم مراكز فرز الأمتعة والخدمات الصحية والفنادق الانتقالية ومراكز الإرشاد والخدمات الرقمية متعددة اللغات، بحيث يصبح جزءًا من منظومة الحج نفسها لا مجرد بوابة عبور.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن المشروع لا يمثل عبئًا اقتصاديًا كما قد يظن البعض، بل قد يكون أحد أكبر المحركات الموسمية والدائمة للاقتصاد في المنطقة. فهو يوفر فرص عمل بمختلف مراحل العمل وعشرات الآلاف من فرص العمل خلال الإنشاء والتشغيل، وتحريك قطاعات واسعة تشمل الطيران والنقل الذكي والفنادق والتقنية والخدمات الطبية والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية. كما أنه يفتح المجال بعون الله لظهور تخصصات جديدة مرتبطة بإدارة الحشود والتشغيل الموسمي الذكي، لتصبح المملكة مرجعًا عالميًا في هذا المجال.
ويذهب بعض المنتقدين إلى أن المشروع قد لا يمتلك جدوى اقتصادية كافية لأنه يرتبط بموسم الحج فقط، غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن مكة المكرمة لم تعد مدينة موسمية، بل هي مدينة لا تنام.. وأصبحت مركزًا دينيًا وسياحيًا وحضريًا يعمل طوال العام. فباب العمرة والزيارة مفتوح باستمرار، والملايين يتوافدون إلى مكة وجدة والطائف على مدار العام، ما يعني أن المطار لن يكون منشأة موسمية معطلة، بل مركزًا متكاملًا يخدم الحج والعمرة والسياحة والتنقل الداخلي والإقليمي، إضافة إلى خدمة سكان المنطقة الذين يشهدون توسعًا سكانيًا واقتصاديًا افقيا ورئسيا متسارعًا.
كما أن وجود مطار جديد في منطقة مكة ليس أمرًا استثنائيًا في عالم الطيران الحديث، فالمدن الكبرى عالميًا لا تعتمد على مطار واحد فقط، بل تحيط بها المطارات من جهات متعددة وفق طبيعة النمو السكاني والاقتصادي والسياحي. فمدن عالمية مثل لندن ونيويورك وطوكيو وإسطنبول تمتلك أكثر من مطار، وبعضها تحيط به شبكة مطارات متكاملة لتوزيع الحركة الجوية وتقليل الضغط وتحقيق المرونة التشغيلية. ولذلك فإن وجود مطار إضافي يخدم منطقة مكة المكرمة لا ينبغي أن يُنظر إليه كحالة استثنائية، بل كامتداد طبيعي لحجم الحركة البشرية والدينية والاقتصادية.
أما ما يُثار حول ارتفاع تكاليف المشروع، فإن التجارب العالمية الحديثة تؤكد أن المطارات الكبرى لم تعد تعتمد فقط على التمويل الحكومي المباشر، بل أصبحت تُدار عبر نماذج استثمارية متنوعة تشمل الصناديق السيادية والشركات المساهمة والشراكات بين القطاعين العام والخاص. ويمكن أن يتولى المشروع صندوق استثماري متخصص، أو يتم تخصيصه كشركة مساهمة وطنية، أو تشغيله عبر نماذج الامتياز طويلة الأجل، خاصة أن العالم اليوم يضم مئات المطارات التي تديرها شركات خاصة أو شبه خاصة وفق نماذج اقتصادية ناجحة.
والأهم من ذلك أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تُقاس فقط بإيرادات الرحلات الجوية، بل بما يصنعه من أثر حضاري وإنساني وتنموي طويل المدى. فالمطار ليس مجرد مدرجات وصالات سفر، بل رسالة حضارية تعكس كيف يمكن للتقنية الحديثة أن تُسخّر لخدمة الإنسان والروح معًا. وقد يتحول «مطار عرفات» مستقبلًا إلى أحد الرموز العالمية المرتبطة بالحج، كما ارتبطت خيام منى ومظلات المسجد النبوي وجسر الجمرات بصورة التنظيم الحديث للمشاعر المقدسة، ليصبح المشروع شاهدًا جديدًا على مرحلة تنتقل فيها خدمة الحجاج من حدود النقل التقليدي إلى صناعة تجربة إيمانية متكاملة تليق بضيوف الرحمن.