د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
مع إطلالة موسم الحج من كل عام، تتجه أنظار المسلمين إلى المشاعر المقدسة، حيث يتوافد الملايين من مختلف أنحاء العالم لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام. وفي الوقت الذي يعيش فيه الحجاج هذه الرحلة الإيمانية العظيمة، تعمل خلف الكواليس منظومة متكاملة من الأجهزة الأمنية والصحية والخدمية والتنظيمية، في مشهد يعكس حجم العناية التي توليها المملكة العربية السعودية لخدمة ضيوف الرحمن.
الحج ليس مناسبة عادية يمكن إدارتها بالوسائل التقليدية، بل هو أحد أكبر التجمعات البشرية في العالم، يجتمع فيه الملايين في أماكن محدودة وأزمنة متقاربة، الأمر الذي يجعل نجاحه تحديًا استثنائيًا بكل المقاييس. ومن هنا تأتي أهمية الجهود الأمنية التي تُبذل سنويًا لضمان سلامة الحجاج، وتنظيم حركة تنقلاتهم، وحماية أرواحهم، والمحافظة على أمنهم واستقرارهم.
ومن يتابع الاستعدادات التي تسبق موسم الحج يدرك حجم العمل المبذول. خطط أمنية متكاملة، وانتشار ميداني واسع، وتقنيات حديثة في إدارة الحشود، وغرف عمليات تعمل على مدار الساعة، وتنسيق بين مختلف القطاعات المعنية، فضلًا عن آلاف الكوادر البشرية التي سخرت جهودها لخدمة الحجاج. إنها منظومة لا تُبنى في أيام أو أسابيع، بل هي ثمرة خبرات متراكمة وتجارب ممتدة وتطوير مستمر لا يتوقف.
ورغم وضوح هذه الجهود وضخامة ما يُبذل فيها، تظهر في كل موسم بعض الحسابات المغرضة التي تحاول التقليل من هذه الإنجازات أو التشكيك فيها. وما إن يبدأ الموسم حتى تنشط الشائعات، وتُجتزأ المقاطع من سياقاتها، وتُضخم المواقف الفردية، وتُصنع الروايات التي لا تستند إلى حقائق بقدر ما تستند إلى الرغبة في التشويه وإثارة الجدل.
واللافت أن هذه الحسابات أنها لا تنطلق من حرص حقيقي على الحجاج، وإنما تتحرك بدافع الكراهية أو البحث عن الإثارة. فهي تتجاهل آلاف المشاهد المشرقة.
إن الفرق بين أهل الميدان وأصحاب الضجيج الإلكتروني فرق كبير. ففي الوقت الذي يقف فيه رجال الأمن على مواقعهم ساعات طويلة، ويتابع العاملون في مختلف القطاعات أدق التفاصيل لخدمة ضيوف الرحمن، ينشغل آخرون خلف الشاشات بمحاولة التقليل من الجهود أو صناعة الشكوك حولها. هناك من يحمل مسؤولية أمن الحاج وسلامته، وهنا من لا يحمل إلا هاتفًا وحسابًا يسعى من خلاله إلى نشر حقده الدفين.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المملكة تمتلك خبرة فريدة في إدارة الحشود وخدمة الحجاج، وأنها تواصل تطوير أدواتها وإمكاناتها عامًا بعد عام. وما نشهده من تطور في البنية التحتية، واستخدام للتقنيات الحديثة، ورفع لمستويات الجاهزية الأمنية والخدمية، يؤكد أن خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما ليست مهمة موسمية، بل مشروع مستمر تتضافر فيه الجهود والإمكانات.
وفي النهاية، يبقى الواقع هو الحكم العادل. فملايين الحجاج الذين يؤدون مناسكهم في أمن وطمأنينة، ويغادرون وقد أتموا شعائرهم بيسر وسهولة، هم الشاهد الحقيقي على نجاح هذه الجهود. أما ضجيج الحسابات المغرضة فسرعان ما يتلاشى، بينما تبقى الإنجازات الميدانية راسخة، يتحدث عنها الواقع قبل أن تكتبها الكلمات.