د. سيف محمد الرشيدي
في زحام الحياة، وتفاصيلها المتسارعة، تأتي بعض الأيام لتعيد ترتيب الإنسان من الداخل، ويأتي يوم عرفة في مقدمة تلك الأيام؛ ليس بوصفه شعيرة دينية فحسب، بل بوصفه يومًا تربويًا عظيمًا، تتجلى فيه أسمى معاني التربية الإيمانية والإنسانية والسلوكية.
إن المتأمل في يوم عرفة يدرك أنه مدرسة متكاملة تُهذّب النفس، وتعيد بناء العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وذاته، وبين الإنسان ومجتمعه.
ففي هذا اليوم يقف ملايين المسلمين على صعيد واحد، بلباس واحد، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين مسؤول وبسيط، في مشهد تربوي يرسّخ قيمة المساواة الحقيقية التي عجزت عن تحقيقها كثير من الأنظمة والقوانين.
يعلّمنا يوم عرفة قيمة التواضع؛ فالناس يأتون مجردين من مظاهر الدنيا وزينتها، رافعين أكف الضراعة، مستشعرين ضعفهم وحاجتهم إلى الله. وهنا تتربى النفس على الانكسار المحمود، وعلى أن الإنسان مهما بلغ من القوة والعلم والجاه، فإنه يبقى محتاجًا إلى رحمة الله وعفوه.
كما يربي يوم عرفة المسلم على ثقافة المراجعة الذاتية، فالساعات المباركة فيه ليست للضجيج ولا للانشغال بالدنيا، بل للتأمل، والمحاسبة، واستحضار التقصير، وتجديد التوبة. وهذه من أعظم المهارات التربوية التي يحتاجها الإنسان المعاصر؛ أن يقف مع نفسه بصدق، بعيدًا عن تبرير الأخطاء أو تعليقها على الآخرين.
ومن الجوانب التربوية العظيمة في يوم عرفة أنه يعلّم الإنسان قيمة الدعاء، لا باعتباره طلبًا فحسب، بل باعتباره عبادة تعيد تشكيل الروح، وتمنح القلب الطمأنينة والأمل. فالدعاء في عرفة يربي النفس على التفاؤل، والثقة بالله، وعدم اليأس مهما تعاظمت الظروف.
وفي الجانب الاجتماعي، يرسّخ هذا اليوم معنى الوحدة الإسلامية، حيث تتجه القلوب والوجوه إلى قبلة واحدة، وتتعالى الأصوات بالتلبية والذكر، وكأن الأمة كلها تستعيد في هذا اليوم هويتها الكبرى، بعيدًا عن الانقسامات والخلافات.
إن المؤسسات التربوية والإعلامية بحاجة إلى استثمار المناسبات الدينية بوصفها منصات لغرس القيم، ويوم عرفة من أعظم هذه المناسبات؛ فهو فرصة لتعليم الأبناء معنى الرحمة، والتسامح، والعفو، والإحسان، وصلة الرحم، ومراجعة النفس، والتخفف من أعباء الكراهية والخصومات.
إن التربية الحقيقية لا تُبنى بالمقررات وحدها، بل بالمواقف والمواسم التي تحرك الوجدان، ويوم عرفة أحد أعظم تلك المواسم التي تصنع الإنسان من الداخل.
وفي ختام هذا اليوم العظيم، يبقى الدرس الأهم: أن الإنسان يستطيع دائمًا أن يبدأ من جديد، وأن أبواب الرحمة لا تُغلق، وأن أجمل ما في التربية أن تقود الإنسان إلى الله، وتجعله أكثر صفاءً ورحمةً واتزانًا.
** **
- إدارة تعليم حائل