أحمد بن محمد الغامدي
مع بزوغ فجر الثامن من ذي الحجة تكتسي «منى» حلتها البيضاء، وتستيقظ الجبال المحيطة بالمشعر المقدس على صدى صوت واحد يهز الوجدان: لبيك اللهم لبيك.
لا يرتوي الحجيج بالماء فحسب في يوم التروية، بل تتروى أرواحهم بصور الطمأنينة وهي تشاهد حشود الإيمان تنساب كالماء بين الخيام، في مشهدٍ لا يمكن لعينٍ أن تخطئه، ولا لقلبٍ إلا أن يخشع له.
الرحلة إلى منى لا تبدأ بالحافلات وحدها، بل تبدأ من الداخل؛ من شوقٍ قديم ظل ينمو في صدور المسلمين سنوات طويلة حتى أذن الله لهم بالوصول إلى هذه البقاع المباركة، هنا، في هذا اليوم العظيم، يتخفف الحاج من صخب الدنيا، ويقترب أكثر من معنى الطاعة والنظام والسكينة.
في قلب الزحام تأملتُ وجوه الحجاج وهم يتوافدون؛ من مسنٌ يبتسم، إلى شابٌ يساعد كفيفاً، وفي يد كل منهم بطاقة صغيرة تسمى «نسك»، ليست مجرد وثيقة مرور، بل هي حكاية التطور السعودي الذي جعل من «الإنسان» أولاً وآخراً، خلف كل رقم تسلسلي في هذه البطاقة، تقف جهود آلاف الموظفين، وسهر الليالي لضمان أن كل من تطأ قدماه المشاعر المقدسة هو «ضيف مستحق» للرعاية الكاملة والمساحة الكافية والأمان الصحي والأمني.
إن الالتزام ببطاقة «نسك» وحملها كشرط أساسي لدخول عرفات، منى، ومزدلفة، لم يأتِ من فراغ. إنه الفارق الجوهري بين حجٍّ يتسم بالسكينة، وآخر قد تعكره الفوضى، حين نردد «يمنع دخول غير الحاملين للبطاقة»، فنحن لا نضع حاجزاً، بل نبني سوراً من الحماية حول الحاج النظامي، لنضمن له حقه في المبيت بمنى دون تكدس، وفي الوقوف بعرفة دون عناء، وفي الإفاضة لمزدلفة بيسرٍ وسهول.
لا خلاف على أن «الوعي» هو شريك النجاح في جميع مواسم الحج، فقد اعتاد العالم أن يرى السعودية في كل عام وهي تكسر أرقامها القياسية في إدارة الحشود، وهذا النجاح ليس محض صدفة، بل هو ثمرة التلاحم بين «المنظم» و«الحاج»، إن الالتزام بالتعليمات الأمنية والتنظيمية هو العهد الذي نقطعه على أنفسهم ليبقى الحج ذكرى جميلة لا تشوبها شائبة، فالحج بلا تصريح، أو محاولة الالتفاف على الأنظمة، لا يضر بالأنظمة فحسب، بل يزاحم الضعفاء والمسنين في أرزاقهم وخدماتهم التي وفرتها الدولة بكل سخاء.
خاتمة الارتواء اليوم، ونحن في رحاب التروية، ندرك أن «النظام» هو الوجه الآخر لـ«العبادة»، فالحاج الذي يحترم الأنظمة، ويبرز بطاقته بوعي وفخر، هو شريك أصيل في نجاح هذا الموسم الاستثنائي.
إنها دعوة لكل من عقد النية: اجعل من انضباطك طاعة، ومن التزامك بالتعليمات قربى، لنفاخر بالعالم مجدداً بموسمٍ يتوج فيه النجاح السعودي بجبين المجد.
يا ضيوف الرحمن، تروّوا بالأمان، والتزموا بـ «نسك».. لتعودوا كما ولدتكم أمهاتكم، بروح مطمئنة وحجٍ مبرور.