طلال حسين قستي
أيام معدودات.. وتشرق شمس يوم عرفة، يوم الركن الأعظم، الذي تشهده الرقعة المباركة، التي تتنزل فيها الرحمات والمغفرة، ويباهي جل وعلا ملائكته بمن أكرمهم سبحانه أن يشهدوا هذا اليوم المبارك في هذا الوادي المبارك.
أيام معدودات.. وتقف جموع الحجيج على صعيد واحد، مؤدية الفريضة الخامسة، تقف هذه الجموع خاشعة، رافعة أكف الضراعة إلى السماء، ترجو رحمة ربها، ويتردد صدى تلبيتهم وأدعيتهم في جنبات وادي عرفة، فتخترق عنان السماء، ليرجع صدى التلبية في أرجاء الكون، ليسمعها كل مسلم تشتاق روحه وفؤاده، إلى أن يقف مثلهم في ظل جبل الرحمة.
يا لها من وقفة عظيمة، وتلبية صادقة، ورجاء مضمون المثوبة من المولى عز وجل، مصداقاً لقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: «من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كفَّارةُ ما بَيْنَهما والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّةُ». (صحيح البخاري)
إن الآيات الكريمة التي فُرض فيها الحج ركناً خامساً من أركان الإسلام، بشرط الاستطاعة، توضح بجلاء أهمية التوجه إلى البيت العتيق بمكة المكرمة، الذي رفع قواعده إبراهيم الخليل وولده إسماعيل عليهما السلام، {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (سورة البقرة 127).
وبعد أن فرغ الخليل إبراهيم من إعادة بناء قواعد البيت العتيق، أتاه جبريل عليه السلام، فعلمه مناسك الحج بدءاً من الطواف والسعي حتى الوقوف بعرفة، وعند جمرة العقبة تمثل له ابليس، فأمره جبريل أن يرميه، فرماه بسبع حصيات، ففر ابليس وغاب عن عين الخليل، وعند عرفة سأله جبريل عليه السلام: أعرفت المناسك؟ قال: نعم، فسمي المكان «عرفة»، ثم أمر الله سبحانه وتعالى خليله أن يؤذن في الناس بالحج، ولما قال إبراهيم: يا رب، ما يبلغ صوتي؟ قال الله سبحانه: أذن وعلي البلاغ، وصدع أبو الأنبياء لأمر ربه، وقام يدعو الناس. {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}، (سورة الحج 27).
فسلام من الله ورحمته عليكم أهل الموقف، يا من يسر الله لهم السبل لبلوغ هذه الديار المقدسة، لتجدوا أهلها في استقبالكم منذ اليوم الأول لوصولكم بالترحاب وحسن الاستقبال والمعاملة الطيبة، ويشملونكم بالرعاية وتقديم كل ما ييسر لهم أداء نسككم في أمن وسلام وطمأنينة، منذ الوصول وحتى إتمام الفريضة.
سلام عليكم يا من لبيتم نداء الإيمان، ولم تدخروا جهداً أو كلفة مادية أو جسدية لتحقيق هذه الأمنية التي تراود كل مسلم، جئتم من شتى بقاع الأرض، متجشمين بعد الشقة، لتلبية نداء خليل الرحمن، فهنيئا لكم أهل عرفة بوقفتكم المحفوفة بمكرمات الباري عز وجل، ولا يغيب عن أذهانكم أن أجر أداء الفريضة بالصورة التي أمرنا بها المولى سبحانه هو المغفرة والعتق من النار.
هنيئاً لكم بما ستكسبون من أجر ومثوبة ورحمة من رب العالمين، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي الأعمال أفضل، قال: «إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور» (رواه البخاري ومسلم).
وهذه البلاد الطيبة، وقيادتها الرشيدة قد سخرت كل إمكاناتها، حتى تشهدوا هذا اليوم المبارك من حج هذا العام 1447هـ، في يسر وسهولة، وحتى تتفرغوا لأذكاركم ودعائكم، فاللهم يا رب البيت العتيق، تقبل من عبادك الواقفين في ظل رحمتك صالح أعمالهم، واشملهم يا رب العالمين بعفوك ومغفرتك، فقد جاءوا طائعين ملبيين النداء..
- من قصيدة «الحج إلى بيت الله الحرام» للأستاذ فؤاد شاكر - رحمه الله:
«أهلت بأفواج الحجيج المواكب
وخفت إلى البيت الحرام المناكب
مشاة وركبانا على كل ضامر
فمن كل فج أدرك الحج طالب
تلاقت على صدق العقيدة أخوة
ولفها من صادق الرأي صائب.
** **
- رئيس تحرير مجلة الحج والعمرة سابقاً