مبارك بن عوض الدوسري
حين يقف الفتية والشباب من أبناء وبنات جمعية الكشافة العربية السعودية في ميادين العمل التطوعي بمكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، فإنهم لا يؤدون مهمة موسمية عابرة، بل يجسدون منظومة قيمية وتربوية متكاملة تشكلت في وجدانهم منذ لحظة انضمامهم للحركة الكشفية، وترسخت عبر الوعد والقانون الكشفي اللذين يمثلان البوصلة الأخلاقية والإنسانية لكل كشاف؛ وفي موسم الحج تتجلى تلك القيم بصورة عملية يراها ملايين الحجاج من مختلف دول العالم، حين يتحول الكشاف السعودي إلى نموذج للإنسان المسؤول، الواعي، والمحب للخير، الذي شرفه الله بخدمة ضيوف الرحمن واصطفاه للمشاركة في واحدة من أعظم رسائل العطاء الإنساني.
وتأتي معسكرات الخدمة العامة التي تقيمها الجمعية سنوياً بوصفها مدرسة وطنية وتربوية كبرى، تسهم في صناعة جيل يحمل روح المبادرة والانضباط والإحساس بالمسؤولية، ويؤمن بأن خدمة الآخرين شرف ورسالة قبل أن تكون عملاً تطوعياً، ومن هنا فإن التزام المشاركين بالقانون الكشفي لا يظهر في الشعارات أو الكلمات، بل في تفاصيل الأداء اليومي داخل الميدان؛ فالكشاف الصادق يلتزم بأمانة الخدمة، والمخلص يضع مصلحة الحاج فوق كل اعتبار، والنافع يسابق الزمن لتقديم العون، والودود يستقبل ضيوف الرحمن بابتسامة تعكس أخلاق المجتمع السعودي وقيمه الأصيلة، فيما يجسد المؤدب والرفيق أسمى معاني الاحترام والتعاون والرأفة والتسامح بين العاملين والحجاج وغيرهم على حد سواء.
وفي زحام المشاعر المقدسة، حيث تتطلب المهام دقةً عالية وصبراً كبيراً، تظهر قيمة الطاعة والانضباط في التزام الكشافين بالتعليمات والتنظيمات التي تسهم في تحقيق سلامة الحجاج وانسيابية الخدمات، بينما يعكس البشاشة والخلق الحسن الصورة الحضارية لأبناء المملكة في تعاملهم الإنساني الراقي مع ضيوف الرحمن، مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم؛ كما تتجلى قيمة النظافة والمحافظة على البيئة في حرص الكشافة على أن تكون مواقع الخدمة نموذجاً للوعي والمسؤولية، في حين يعزز مفهوم الاقتصاد وترشيد الموارد ثقافة الاستدامة والعمل الواعي.
ويظل الوعد الكشفي حجر الأساس في هذه الرحلة التربوية والإنسانية، حين يردد الكشاف: «أعد أن أبذل جهدي فيما يجب عليً نحو الله، ثم المليك والوطن، وأن أساعد الناس في جميع الظروف»، وهو وعد لا يُقال باللسان فحسب، بل يُترجم في موسم الحج إلى مواقف إنسانية ومشاهد مضيئة من البذل والعطاء والإيثار؛ فالكشاف الذي يساعد حاجاً تائهاً، أو يساند كبير سن، أو يرشد مريضاً، إنما يطبق وعده الكشفي عملياً، ويقدم صورة حية لمعنى المسؤولية الوطنية والإنسانية.
وتنسجم هذه الأدوار مع الأهداف التي نصت عليها المادة الثالثة من نظام جمعية الكشافة العربية السعودية، وفي مقدمتها الإسهام في تهيئة النشء وتوجيه الشباب وإعدادهم أخلاقياً وثقافياً واجتماعياً، وتنمية الشعور بالواجب نحو الله ثم الملك والوطن؛ وهو ما يظهر جلياً في شخصية الكشاف السعودي الذي يتعامل مع الحج باعتباره فرصة لخدمة الإسلام والمسلمين، وميداناً لترسيخ قيم الانتماء والولاء والعمل الجماعي والتعايش الإنساني.
كما تعكس معسكرات الخدمة العامة البعد العالمي للحركة الكشفية، التي تتوحد حول قيم إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود واللغات، وتؤكد أن العمل الكشفي رسالة سلام وخدمة وتعاون؛ ومن هذا المنطلق، يلتقي الكشاف السعودي مع نظرائه حول العالم في أرضية أخلاقية واحدة أساسها الوعد والقانون الكشفي، غير أن مشاركته في خدمة الحجاج تمنحه خصوصية استثنائية، لأنه يؤدي رسالته في أطهر البقاع وأعظم المواسم، مستشعراً عِظم الأجر وشرف المسؤولية.
وفي كل عام يثبت أبناء وبنات الكشافة السعودية أن العمل التطوعي ليس مجرد ساعات خدمة، بل ثقافة حياة تُبنى على القيم والمبادئ والإيمان العميق بأهمية الإنسان، ليبقى الكشاف السعودي نموذجاً مشرفاً للشباب الواعي، الذي يحمل رسالة وطنه وقيم مجتمعه إلى العالم، ويؤكد أن خدمة ضيوف الرحمن شرف عظيم ومسؤولية يؤديها بإخلاص ومحبة وفخر.