د. رنا بنت عبدالله الغامدي
دعوني آخذكم معي إلى ذكريات مكية قديمة في موسم الحج، حيث تصبح سيدة المدن مختلفة تمامًا عن باقي أيام السنة.
الوجوه مستعجلة، والبيوت في حالة حركة دائمة، والشوارع مزدحمة بالزوار من كل الجنسيات، والهواء نفسه يحمل رائحة لا تشبه باقي أيام السنة. وأنا بنت مكة، المولودة أصلًا في شهر ذي الحجة، أشعر دائمًا أن لهذا الموسم علاقة خاصة جدًا بذاكرتنا نحن أبناء هذه المدينة المقدسة.
كبرنا ونحن نرى موسم الحج ليس كشعيرة عظيمة فقط، بل أسلوب حياة كامل لأهل مكة. فبيت جدي مثلًا، كان معظمه يتحول في الحج إلى سكن للحجاج. ننزح نحن إلى الأدوار العلوية، بينما تصبح الشقق السفلية مؤجرة بالكامل لضيوف الرحمن. فجأة تمتلئ ممرات البيت بلهجات مختلفة وروائح أطعمة لم نألفها، ويصبح المكان نسخة مصغرة تضم شعوبا من أقصى أنحاء العالم.
كان من الطبيعي وقتها أن يعمل كل رجل في مكة خلال موسم الحج بشكل أو بآخر. منهم من يعمل في خدمة الحجاج مباشرة، ومنهم من يقود السيارات والحافلات، أو يبيع الطعام، أو يساعد في التنظيم، وحتى أصحاب البسطات الصغيرة كانوا يجدون في الموسم باب رزق كريم. أذكر أن أمي كانت تقول دائمًا إن أضعف الإيمان في الحج «بسطة شاي وقهوة للحجاج»، وكأن العمل في خدمة ضيوف الرحمن شرف لا يريد أحد من أهل مكة أن يفوته.
أكثر ما أتذكره في تلك الأيام هو زحمة الشوارع القديمة، وبطء حركة السيارات وسط الاختناقات المرورية.
أتذكر والدي رحمه الله، المشغول دائمًا بحكم عمله في قوات الشرطة، وهو يأخذني أحيانًا من وإلى المدرسة على الدراجة النارية، أو «الدباب» كما كنا نسميه وقتها. كنت أجلس خلفه متشبثة به بكل قوتي. وفي الوقت نفسه أمسك مريولي المدرسي الأخضر حتى لا تعبث به الريح، بينما يشق بنا الزحام بين السيارات والحافلات بسلاسة مدهشة. كان الدباب وقتها أسرع وسيلة للحركة وسط اختناقات مكة القديمة، وكنت أرى والدي ببدلته العسكرية بعين الطفلة بطلاً حقيقيًا وسط مدينة لا تنام، ووسط موسم تتحول فيه مكة كلها إلى قلب نابض بالحركة والخدمة والدعاء.
ومن أكثر التفاصيل التي كانت تبهرني وأنا صغيرة، حديث «سِتّي» (أُم والدتي) عن الكعبة وكأنها كائن حي يستعد للحج معنا.
أتذكرها وهي تقول بلهجتها المكية البسيطة المليئة بالهيبة: «الكعبة أحرمت»، كنت أتوقف عند العبارة بدهشة طفلة، وأتخيل الكعبة فعلًا وهي تلبس إحرامها مثل الحجيج. كبرت لاحقًا وفهمت أن ما كانت تقصده هو عادة رفع كسوة الكعبة المشرفة، أو ما يعرف شعبيًا عند أهل مكة بـ»إحرام الكعبة».
وكان هذا المشهد السنوي يتم قديمًا في منتصف شهر ذي القعدة، حيث يُرفع الجزء السفلي من الكسوة السوداء ويُغطى بإزار أبيض، استعدادًا لموسم الحج.
مكة خلال أيام الحج وفي ليلة يوم عرفة بالذات تبدو شبه خالية. أغلب الرجال في المشاعر المقدسة أو في مواقع العمل والخدمة، والشوارع والأحياء أكثر هدوءًا، والبيوت يغلب عليها حضور النساء والأطفال وكبار السن. كأن المدينة كلها تعيش حالة غياب جماعي مؤقت للرجال. لكن الغريب أن أهل مكة كانوا يعرفون كيف يحولون حتى هذا الغياب إلى دفء اجتماعي. مع انشغال الرجال، كانت النساء في مكة يصنعن موسمًا آخر داخل البيوت مليئًا بالحياة والزيارات والتجهيزات التي تبدأ قبل يوم عرفة بأيام.
ومن الموروث المكي القديم تجمعات النساء لعجن وصنع المعمول المحشي بالتمر، ذلك النوع من الحلوى الشعبية الذي ارتبط بموسم الحج والعيد. كانت الكميات التي يصنعنها كبيرة جدًا لدرجة أن أفران البيت لا تكفيها، فتُحمل الصواني إلى المخبز القريب ليخبزها، ثم تعود الروائح لتملأ الحارة. ثم توزع على الأهل، والجيران، وكل من له نصيب من «بركة الموسم» كما كانت أمي تقول. إلى اليوم، بقيت رائحة المعمول بالنسبة لي مرتبطة بموسم الحج أكثر من أي شيء آخر. عادة أحبها بشكل شخصي جدًا، حتى أنني حملتها معي في سنوات الابتعاث. أتذكر كيف كنت أنا وصديقتي المقربة نجتمع في موسم الحج في غربتنا، نصنع المعمول بأيدينا، ونخبزه ثم نوزعه على رفقاء الدراسة، وكأننا نحاول أن نسرق قطعة صغيرة من مكة ونزرعها في مدينة بعيدة.
وهناك أيضاً عادة الإفطار في الحرم يوم عرفة واحدة من أكثر التفاصيل المكية قربًا لقلبي.
كانت النساء منذ الفجر يتجمعن، ثم يتوجهن إلى الحرم، يصلين الفجر ويطفن ويحضرن مراسم تغيير كسوة الكعبة والذي كان يتم قديمًا في يوم عرفة وسط مشهد مهيب، قبل أن يصدر أمر ملكي كريم بتغيير موعد استبدال الكسوة ليصبح في غرة شهر محرم من كل عام، في تنظيم يعكس العناية الكبيرة بكل ما يتعلق بالكعبة المشرفة وشعائر الحج.
كان السواد يملأ ساحات الحرم يوم عرفة من كثرة النساء بعباءاتهن السوداء، وكأن حضورهن يملأ الحرم أُنسًا وطمأنينة في ذلك اليوم الطويل وكأنهن يردن أن «يؤنِسن» الحرم في ذلك اليوم الطويل، لذلك يطلق عليهن وصف «مؤنِسات الحرم». وهن يحملن تمر الإفطار وقوارير الماء والقهوة وأطباق الطعام البسيطة لتوزيعها على الصائمين في روحانية عظيمة.
أما «الخُليف والقيس»، رغم أنني شخصيًا لم أشهده بصورته القديمة الكاملة، لكني أجدني اليوم أعود لذاكرة أخرى صنعتها لي ستي مع أمي وخالاتي وعمّاتي، وهن يروين لي قصص تلك الليالي التي تعود لأكثر من ستين عاما مضت، وكأنها مشاهد من فيلم مكِي قديم. في حين كان أغلب رجال مكة يخرجون للحج أو لخدمة الحجاج، كانت النساء يتولين حماية الحارات ومتابعة شؤون البيوت والجيران. يرتدين أزياء الرجال، ويوزعن الأدوار بينهن مثل «الشريف» و»شيخ الحارة» و»العسكري»، ثم يخرجن ليلًا بالأهازيج والدفوف في مشهد لا يحصل في أي مدينة أخرى.
إحدى عمّاتي، وهي تضحك كلما تذكرت تلك الفترة، حكت لي أنهن كن يطاردن الرجال المتخلفين عن الحج أو خدمة الحجاج ويرمينهم بالحجارة الصغيرة وسط الغناء والضحك: يا قيس يا قيس.. الناس حجت وإنت هنا ليش؟» رباه كم كانت نساء مكة خفيفات الروح، جريئات، وقويات في الوقت نفسه. وجزءًا لا يتجزأ من مواسم هذه المدينة العظيمة.
واليوم، حين أنظُر إلى موسم الحج، أُدرك كم تغيرت التفاصيل، وكم كبرت المسؤولية، وكيف أصبح العمل يُدار باحترافية مذهلة تجعلنا نشعر بالفخر والاعتزاز.
موسم الحج كان ولايزال موضع العناية والاهتمام من قيادة الوطن، لكنه الآن أصبح منظومة تشغيلية وإنسانية هائلة تعمل فيها مختلف الجهات بتناغم دقيق تحت إشراف مباشر واهتمام مستمر من القيادة الرشيدة التي سخّرت كل الإمكانات لخدمة ضيوف الرحمن.
وتبرز في هذا المشهد جهود وزارة الحج والعمرة، والهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، إلى جانب الأدوار الكبيرة التي تقوم بها وزارة الداخلية ووزارة الصحة، في وطني آلاف الجنود الذين يعملون ليل نهار، حتى يؤدي الحاج مناسكه بأمن وطمأنينة وكرامة.
هناك اليوم جيل كامل لا يعرف عن مكة القديمة، عن حاراتها الضيقة، ودفوف «القيس»، ورائحة المعمول، و»مؤنِسات الحرم». وبالرغم أن مكة اليوم أصبحت تحتضن ملايين البشر بمستوى مذهل من التنظيم والتقنية والجاهزية، والتطور العمراني المذهل، إلا أن روحها ما زالت كما هي؛ مدينة عظيمة تجمع بين القداسة والإنسانية، وبين الإرث القديم والعمل الحديث الذي أصبح نموذجًا يُحتذى به عالمياً.
أخيراً... أسأل الله أن يبلغنا هذه الأيام الفضيلة بخير وسعادة، وأن يجعلنا من المقبول دعاؤهم والمغفور لهم في يوم عرفة، وأن يعود علينا العيد جميلًا بهيًا مطمئنًا، وعلى بلادنا وقيادتنا وكل الحجاج بالأمن والخير والقبول.