زياد الجارد
مع كل موسم حج، يتكرر من الخارج السؤال نفسه: كم تربح السعودية من الحج؟
كأن هذه الشعيرة العظيمة تُقاس فقط بلغة الأرقام والعوائد المالية، بعيداً عن حجم المسؤولية الهائل المرتبط بإدارة واحد من أكبر التجمعات البشرية الموسمية في العالم إن لم يكن أكبرها وأكثرها حساسية.
فالحج لا يعني مجرد استقبال ملايين الحجاج، بل يعني إدارة منظومة متكاملة من الأمن والصحة والنقل والطاقة والإسكان والخدمات، خلال أيام محدودة وفي نطاق جغرافي شديد الحساسية، ما يتطلب استعدادات ضخمة تبدأ قبل الموسم بوقت طويل.
ولهذا تُنفذ بعض مشاريع البنية التحتية في المشاعر المقدسة بمعايير استيعاب استثنائية لتلبية ذروة الحج خلال أيام معدودة، ورغم أن هذه الكثافة التشغيلية لا تتكرر طوال العام، إلا أنها يجب أن تبقى جاهزة وآمنة بكفاءة عالية، لأن إدارة ملايين الحجاج لا تحتمل الحلول المؤقتة، وهي طبيعة تشغيلية تختلف تماماً عن عقلية الاستثمار التجاري التقليدي، الذي يسعى إلى تشغيل الأصول بأعلى كثافة ممكنة طوال العام.
وقد ضخت المملكة العربية السعودية على مدى سنوات مليارات الريالات في مشاريع عملاقة، مثل توسعة الحرمين، وقطار المشاعر وتطوير الجمرات وأنظمة التبريد، وهي استثمارات ضخمة لا يمكن النظر إليها بعقلية موسمية ضيقة، بل باعتبارها مسؤولية مستمرة لضمان سلامة الحجاج وتسهيل رحلتهم.
ومن الطبيعي أن يحقق موسم الحج عوائد اقتصادية مرتبطة بالخدمات المقدمة لكن ما يتم إنفاقه أكثر من ذلك بكثير، وهذا أمر يحدث في كل دول العالم عند إدارة الأحداث والمواسم الكبرى، لكن الحديث عن الحج غالباً ما يتجاهل حجم التشغيل الهائل والاستعدادات المطلوبة لإدارة هذا الموسم، وما يرتبط به من خدمات ميدانية تعمل بوتيرة استثنائية ومكثفة.
وخلف هذا الموسم يعمل مئات الآلاف من العاملين والمتطوعين والجهات المختلفة على مدار الساعة، في مهمة لا ترتبط فقط بتقديم الخدمة، بل بضمان سلامة وراحة الحجاج منذ وصولهم إلى المملكة وحتى عودتهم إلى بلدانهم، وهو جهد ضخم قد لا يراه كثيرون عند النظر إلى الحج من زاوية الأرقام فقط.
ومن الإنصاف ألا يُنظر إلى إدارة ملايين الحجاج، بكل ما فيها من مسؤولية وخدمات وتكاليف مالية كبيرة واستعدادات استثنائية ضخمة، من زاوية سؤال سطحي يتكرر كل عام.
فالحج بالنسبة للمملكة العربية السعودية لم يكن يوماً موسماً اقتصادياً، بل رسالة شرف ومسؤولية تاريخية تجاه ملايين الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم، ولهذا يتم الإنفاق عليه بسخاء دون النظر إلى العوائد المالية التي لا تمثِّل شيئاً أمام ما تصرفه الدولة على تنظيم وتسهيل الحج للمسلمين.