عمرو أبوالعطا
جداريات الحج من الظواهر التي يصعب إخضاعها لمعيار جمالي خالص، لأنها تتجاوز حدود اللون والخط والتكوين إلى وظيفة أعمق قوامها التوثيق والاحتفاء في آنٍ واحد. فالحاج يعود من رحلته محمّلاً بتجربة روحية كثيفة، فيما يستقبل المجتمع هذه العودة باعتبارها حدثاً يستحق أن يُخلَّد بعلامة بصرية ثابتة، فتأتي الجدارية لتمنح اللحظة امتدادها في الزمن، وتحوّلها إلى حضور مرئي مشترك يبقى في الذاكرة كما يبقى في العين، شاهداً على رحلة لا تنتهي بانتهائها.
وفي مراحلها الأولى، جاءت الجداريات في صورة بسيطة، اقتصرت على عبارات دينية ودعوات مأثورة تُكتب فوق واجهات البيوت، مثل «حج مبرور وسعي مشكور»، أو آيات قرآنية تستقبل العائد من رحلته المباركة. غير أن الزمن سرعان ما فتح المجال للخيال الشعبي، فبدأت الكلمات تتحول إلى صور، والصور إلى مشاهد بصرية متكاملة، تروي الرحلة في امتدادها الإنساني والروحي، من الانطلاق إلى العودة، ومن الشوق إلى الاكتمال.
الكعبة المشرفة تحتل دائماً مركز هذا العالم البصري، وكأنها نقطة ارتكاز تتجمع حولها بقية العناصر في الجدارية. حضورها في القلب يعكس مركزيتها في الوجدان الإسلامي، غير أن الفنان الشعبي يتعامل معها بحس تلقائي، بعيداً عن صرامة المنظور الأكاديمي أو دقة النسب الهندسية، إذ لا ينشغل بإعادة إنتاج المكان كما تراه العين أو تلتقطه العدسة، بقدر ما ينشغل باستدعاء هيبته وقدسيته كما تستقر في المخيلة الشعبية، بما تحمله من رهبة وشوق ومعنى.
وإلى جوار الكعبة يظهر المسجد النبوي وقبته الخضراء، في إشارة إلى المدينة المنورة كامتداد روحي لرحلة الحج، حيث لا تنفصل الزيارتان في الوعي الشعبي، بل تتجاوران داخل فضاء بصري واحد، كأن الفنان يختصر المسافات الجغرافية لصالح وحدة الشعور الديني وتماسك التجربة الروحية.
أما وسائل النقل فتحتل مساحة دلالية لافتة، لأنها علامات على تحولات الزمن ذاته. فالجمل في الجداريات القديمة يستحضر زمن القوافل ومشقة الطريق وطول الرحلة، ثم تأتي البواخر لتعلن مرحلة أخرى من الاتصال بالعالم، قبل أن تحل الطائرات لتختصر المسافات وتعيد تشكيل معنى السفر نفسه. وهكذا يتحول الجدار إلى سجل بصري غير مباشر لتاريخ الرحلة، وإلى مرآة تعكس تطور المجتمع وتبدل تقنياته وأنماط عيشه.
وتكتمل هذه اللغة الرمزية بحضور عناصر أخرى لا تقل دلالة؛ فالحمام يعلو المشهد بوصفه علامة سلام وصفاء روحي، والخراف تحيل إلى الأضاحي ومناسك منى، بينما يستدعي النخيل صورة الحجاز في الوعي الجمعي بما تحمله من دفء الصحراء وبركتها. وفي قلب هذا كله يظل الخط العربي عنصراً حاكماً يمنح الجدارية روحها الداخلية، حيث لا تنفصل الكلمة عن الصورة، بل تتداخل معها لتصنع نصاً بصرياً متكاملاً، تمتزج فيه الآيات والأدعية وعبارات التهنئة داخل بنية واحدة، تجعل من الجدار مساحة للمعنى بقدر ما هو مساحة للرؤية.
وحول الجدارية تتشكل طقوس لا تقل أهمية عن الرسم ذاته، فالحج في الوعي الشعبي حدثاً اجتماعياً يعيد ترتيب العلاقات قبل أن يعيد ترتيب المكان. تبدأ الرحلة من تصفية الخلافات وطلب السماح، كأن الإنسان لا يغادر الجغرافيا قبل أن يغادر ثقلها الداخلي، ثم تُهيأ البيوت وتُطلى الجدران انتظاراً لحظة تتحول فيها الواجهة إلى معنى.
وفي لحظة الرسم يتحول المشهد إلى ما يشبه الاحتفال المفتوح؛ الجيران يقتربون من الجدار، الأطفال يتابعون حركة اللون كأنها ولادة مستمرة، والأصوات تتداخل بين الدعاء والدهشة، فيغدو الجدار مركزاً مؤقتاً للحياة، ويغدو النقاش وسيطاً بين الذاكرة الجماعية وما تريد أن تحفظه من نفسها.
وحين يعود الحاج إلى صعيد مصر -وهذا مثال- تكتمل الدائرة، ويتحول الحدث إلى تثبيت لمعناه؛ ولائم تُقام، وذبائح تُقدَّم، وهدايا قادمة من مكة والمدينة تُوزَّع كأنها امتداد للمكان المقدس في قلب القرية. ماء زمزم والتمر والسبح والسجاد تتحول من أشياء إلى إشارات، من مادة إلى بركة، ومن هدية إلى أثر روحي يعيد وصل ما انقطع بين الأرض والمقدس، بين البعيد وما صار قريباً بالذاكرة.
الجدارية في صعيد مصر تؤدي في هذه اللحظة وظيفة اجتماعية واضحة، إذ تتحول من مجرد أثر زخرفي على سطح الجدار إلى إعلان مرئي عن إتمام الفريضة، وإلى علامة فارقة تشير إلى انتقال الحاج داخل بنيته الاجتماعية من موقع إلى آخر. فلقب «الحاج» يحمل دلالة أخلاقية ودينية واجتماعية تتجسد في نظرة المجتمع لصاحبه، وتنعكس في حضور الجدارية ذاتها بوصفها وثيقة اعتراف جماعي بهذا التحول الرمزي.
ورغم أن مصر تمثل المجال الأكثر كثافة وحضوراً لهذه الظاهرة، فإن جذورها تمتد إلى فضاءات عربية متعددة.
ففي السودان والنوبة تشكلت تقاليد زخرفية جدارية مرتبطة بالبيت والهوية، وفي فلسطين وبعض مناطق الشام ظهرت صيغ مبسطة من الاحتفاء البصري بعودة الحجاج، بينما احتفظ المغرب العربي بوسائط زخرفية أخرى توثق ذاكرة الرحلة الطويلة نحو الحجاز. ورغم اختلاف الشكل والتقنية، يبقى الجوهر واحداً؛ الحاجة إلى تثبيت التجربة الدينية في صورة مادية قابلة للبقاء داخل الذاكرة الجماعية.
غير أن هذا الفن الشعبي يواجه اليوم تحديات متراكبة ومعقدة. فالتوسع العمراني أدى إلى اختفاء كثير من البيوت التقليدية التي كانت تحتضن هذه الجداريات، لتحل محلها مبانٍ حديثة بطابع هندسي مغلق لا يمنح الجدار مساحته القديمة بوصفه فضاءً للسرد البصري. ومع تغير أنماط الحياة وتراجع البنية الاجتماعية التقليدية، بدأت بعض الطقوس المرتبطة بالحج تفقد حضورها الكثيف الذي كانت عليه في السابق.
وإلى جانب ذلك ظهر جدل ديني حول التصوير، دفع بعض الأسر إلى الاكتفاء بالكتابة أو الامتناع عن الرسم، قبل أن تأتي الثورة الرقمية لتضيف طبقة جديدة من التحول؛ حيث أصبحت صور الهاتف ومقاطع الفيديو ومنصات التواصل الاجتماعي تؤدي جزءاً كبيراً من وظيفة التوثيق التي كانت الجدارية تقوم بها عبر عقود طويلة.
إن المقارنة بين النموذجين تكشف فارقاً جوهرياً في طبيعة الوجود والأثر. فالصورة الرقمية سريعة وعابرة، تولد داخل الشاشة وتذوب بانقضاء اللحظة، بينما تحتفظ الجدارية بحضور مادي كثيف يجعلها جزءاً من المكان ذاته، ومن ذاكرة الحي اليومية، ومن تفاصيل المشهد الذي يعيشه الناس ويتفاعلون معه باستمرار.
ومن هنا تكتسب الدعوات إلى توثيق جداريات الحج والحفاظ عليها أهمية خاصة، لأنها لا تنتمي إلى مجال الفن المحلي فحسب، بل تمثل وثائق إثنوجرافية وتاريخية تساعد على قراءة المجتمع في تحولاته العميقة. فمن خلالها يمكن تتبع أنماط التدين الشعبي، وتغيرات العمارة، وتطور وسائل النقل، وأشكال الاحتفال، وبنية العلاقة بين الفرد والجماعة.
جداريات الحج ، شهادة على قدرة الإنسان على تحويل التجربة الروحية إلى أثر مرئي، وعلى أن الفن الشعبي، في كثير من الأحيان، يمتلك قدرة على التقاط وجدان الناس وتكثيفه بما يفوق أحياناً الفنون الرسمية. فالجدار الذي يبدو صامتاً في ظاهره، يتحول في هذه التجربة إلى ذاكرة حيّة، تحفظ ألوان الشوق وأصداء الدعاء وفرحة العودة، وحين يتآكل بعضه بفعل الزمن، تبقى فكرته صامدة؛ أن الإنسان، كلما واجه لحظة تتجاوز يومه العادي، بحث عن جدار يترك عليه أثر تلك اللحظة، كي لا تضيع تماماً في عتمة النسيان.