وائل العتيبي - جدة:
في مشهد سينمائي سعودي يتشكل من جديد، تبرز سارة طلب بوصفها صوتًا إخراجيًا شابًا ينحاز للإنسان قبل الضجيج، وللأثر الوجداني قبل الإبهار. لغتها البصرية تتكئ على التأمل والصمت والتفاصيل، لكنها لا تلغي الحوار بوصفه أداة جوهرية لكشف الشخصية وتحريك الصراع حين تحتاجه الحكاية. من «برنارد وبرناديت» إلى «هجير»، صنعت لنفسها هوية تمزج الهدوء بالعمق، والمكان بالمعنى، لتقدّم سينما محلية بروح عالمية.
* «هجير» فتح مساحة نقاش حول شكل السينما السعودية الجديدة، ولفت الانتباه إلى أسلوبك الميال للحس الإنساني واللغة البصرية الهادئة. كيف ترين استقبال الجمهور للفيلم؟
- «هجير» لم يكن محاولة لتقديم إجابة جاهزة أو شكل محدد للسينما، بقدر ما كان تجربة إنسانية وسينمائية أردت من خلالها أن أروي قصة قريبة من الناس وتحمل إحساسًا حقيقيًا.
وأعتقد أن اختلاف الآراء حول الفيلم كان أمرًا طبيعيًا، بل مهمًا، لأنه فتح مساحة للنقاش حول طبيعة السينما السعودية الجديدة واتجاهاتها. ما يهمني في النهاية ليس أن تُصنَّف أفلامي ضمن قالب واحد، بل إن أقدّم أعمالًا تمتلك هوية بصرية وشعورية خاصة، وفي الوقت نفسه تتواصل مع الجمهور وتترك أثرًا لديهم. أنا مؤمنة بأن السينما يمكن أن تكون فنية وقريبة من الناس في آن واحد، وأن قوة الفيلم لا تكمن فقط في شكله، بل في قدرته على جعل المشاهد يعيش التجربة ويتفاعل معها إنسانيًا.
* ما نوعية الأفلام التي تحلمين بتقديمها مستقبلًا؟ وهل تميلين أكثر إلى الدراما الإنسانية، أم التجريب البصري، أم المزج بين أكثر من مدرسة سينمائية؟
- أحلم بتقديم أفلام تحمل بُعدًا إنسانيًا وعاطفيًا، لكن داخل عوالم سينمائية مليئة بالخيال والدهشة. أكثر ما يجذبني في السينما هو قدرتها على جعل المستحيل يبدو حقيقيًا، وأن تمنح المشاهد فرصة للهروب، الحلم، والشعور بشيء أكبر من الواقع اليومي.
أميل إلى المزج بين أكثر من مدرسة سينمائية، لأنني لا أرى نفسي محصورة داخل نوع واحد فقط. أحب الدراما الإنسانية عندما تكون صادقة وحميمية، لكنني أيضًا منجذبة إلى الخيال، والقصص التي تفتح أبوابًا لعوالم غير متوقعة، سواء عبر الفانتازيا أو الخيال العلمي أو حتى عناصر الغموض والرهبة.
أؤمن أن السينما ليست فقط وسيلة لسرد قصة، بل تجربة حسية وعاطفية كاملة. أحب الأفلام التي تترك أثرًا طويلًا بعد المشاهدة، وتوقظ داخل الإنسان ذلك الشعور القديم بالدهشة، وكأنه يرى العالم لأول مرة. لذلك أطمح إلى صناعة أفلام تجمع بين العمق الإنساني والخيال البصري، أفلام تجعل المشاهد يعيش المغامرة، لكنه في الوقت نفسه يجد جزءًا من نفسه داخلها.
* هل لديكِ مشروع سينمائي تعتبرينه «الحلم الأكبر» الذي تنتظرين تحقيقه، سواء من حيث القصة أو الحجم الإنتاجي أو التأثير؟
- «الحلم الأكبر» بالنسبة لي ليس مجرد فيلم ضخم من ناحية الإنتاج، بل فيلم ينجح في خلق عالم كامل يعيش داخله المشاهد وينسى الواقع للحظات. أحلم بصناعة أفلام تمتلك هذا الإحساس بالدهشة والسحر الذي يجعل الإنسان يعود طفلًا من جديد، لكن دون أن تفقد عمقها الإنساني ومشاعرها الحقيقية.
أحب الأعمال التي تمزج بين الخيال والعاطفة، بين المغامرة والأسئلة الإنسانية، وأطمح يومًا إلى تقديم فيلم يترك أثرًا بصريًا وعاطفيًا طويلًا، فيلم يشعر المشاهد بعد انتهائه أنه عاش تجربة حقيقية وليس مجرد قصة عابرة.
ومن ناحية الحجم الإنتاجي، بالطبع أحلم بتقديم أعمال سينمائية كبيرة وطموحة بصريًا، لأنني أؤمن أن السينما قادرة على تحقيق المستحيل وخلق عوالم لا يمكن أن توجد إلا على الشاشة. لكن ما يهمني دائمًا هو أن يبقى الإنسان والمشاعر في قلب الحكاية، مهما كان حجم العالم أو الخيال الذي يحيط بها.
في النهاية، أكثر ما أطمح إليه هو صناعة أفلام تمنح الناس الإحساس بالأمل، الدهشة، والقدرة على الحلم من جديد.
* إلى أي مدى تشغل فكرة الجوائز السينمائية العالمية تفكيركِ كمخرجة؟ وهل تعتبرينها هدفًا أم نتيجة طبيعية لمسار فني ناجح؟
- الجوائز السينمائية مهمة بلا شك، لأنها تمنح صناع الأفلام مساحة أكبر للانتشار وتفتح أمامهم فرصًا جديدة، لكنها بالنسبة لي ليست الهدف الأساسي من صناعة السينما. ما يشغلني أكثر هو أن أقدم فيلمًا صادقًا يعيش طويلًا في ذاكرة الناس ويترك أثرًا حقيقيًا داخلهم.
أرى الجوائز كنتيجة طبيعية لمسار فني صادق ومتطور، وليست شيئًا يمكن مطاردته بشكل مباشر. لأن التركيز المفرط على الجوائز قد يجعل الفنان يفكر أحيانًا فيما يرضي اللجان أو الاتجاهات السائدة، بدل أن يذهب إلى صوته الحقيقي وما يؤمن به فعلًا.
بالنسبة لي، النجاح الحقيقي هو أن يشعر المشاهد بشيء عميق بعد انتهاء الفيلم، أن يخرج وهو يحمل فكرة، أو إحساسًا، أو حتى دهشة بقيت معه. وإذا جاءت الجوائز بعد ذلك، فأراها تقديرًا جميلًا ومسؤولية أكبر للاستمرار وتقديم أعمال أصدق وأقرب للناس.
* لو طُلب منكِ اختيار منصة تحلمين بالوصول إليها يومًا ما -مثل كان أو برلين أو الأوسكار- فأيها تضعينها في أولوياتك، ولماذا؟
- الوصول إلى أي منصة عالمية مثل كان أو برلين أو الأوسكار يُعتبر شرفًا كبيرًا وخطوة مهمة في مسيرة أي صانع أفلام، وبالتأكيد سأكون ممتنة وفخورة جدًا بخوض هذه التجارب يومًا ما. لكل واحدة من هذه المنصات قيمتها وتأثيرها المختلف، وأعتقد أن مجرد التواجد فيها يعني أن العمل استطاع أن يصل ويتواصل مع الناس على مستوى واسع.
لكن في العمق، أشعر أن أهم «جائزة» بالنسبة لي ليست التمثال أو اللقب بحد ذاته، بل أن ينتظر الناس أفلامي من عمل إلى آخر، وأن يرتبطوا بالعالم الذي أقدمه وبأسلوبي الخاص في الحكي والصورة والمشاعر. فكرة أن يثق الجمهور بأن أي فيلم أحمله سيمنحهم تجربة مختلفة أو إحساسًا حقيقيًا... هذا بالنسبة لي النجاح الأكبر.
أحب فكرة أن يكون للمخرج هوية سينمائية يشعر بها الناس فورًا، وأن تتحول أفلامه إلى مساحة يعود إليها الجمهور لأنه أحب هذا الإحساس الذي تمنحه لهم. وإذا جاءت الجوائز بعد ذلك، فأراها تقديرًا جميلًا لهذا المسار، لكنها ليست الشيء الذي يدفعني لصناعة السينما من الأساس.
* كيف تصفين طموحكِ الفني اليوم؟ وإلى أي مدى ترين أن رحلتكِ الإخراجية ما زالت في بدايتها أم بدأت تتبلور ملامحها الحقيقية؟
- أشعر أن طموحي الفني اليوم أصبح أوضح وأكثر نضجًا من السابق، ليس فقط من ناحية ما أريد تقديمه بصريًا، بل أيضًا من ناحية الإحساس الذي أريد أن يخرج به المشاهد بعد مشاهدة أفلامي. أصبحت أميل أكثر إلى السينما التي تجمع بين البعد الإنساني والخيال والدهشة، السينما التي تخلق عالمًا كاملًا يستطيع المشاهد أن يعيش داخله ويتأثر به عاطفيًا.
وفي الوقت نفسه، أشعر أن رحلتي ما زالت في بدايتها الحقيقية. ربما بدأت تتشكل ملامح هويتي الفنية تدريجيًا، لكنني ما زلت في مرحلة الاكتشاف والتجربة والتطور. أعتقد أن كل فيلم يقرّب المخرج أكثر من صوته الحقيقي، وأنا ما زلت أتعلم وأبحث وأحاول أن أفهم بشكل أعمق نوع السينما التي تشبهني فعلًا.
ما يهمني اليوم ليس فقط صناعة أفلام جميلة بصريًا، بل صناعة أفلام تترك أثرًا طويلًا، وتمنح الجمهور إحساسًا حقيقيًا بالدهشة أو الأمل أو حتى الهروب المؤقت من الواقع. أشعر أن هذا هو الاتجاه الذي بدأت ملامحه تتبلور داخلي أكثر فأكثر.
* في أعمالك تميلين إلى الطرح الإنساني الهادئ أكثر من الصدامي... هل هو خيار جمالي أم انعكاس لتجربتك الشخصية مع الحياة والناس؟
- لا أعتقد أن لديّ توجهًا ثابتًا نحو الطرح الإنساني الهادئ أكثر من الصدامي، لأن الأمر بالنسبة لي يعتمد دائمًا على طبيعة الفيلم نفسه وما تحتاجه القصة والشخصيات. هناك أفكار تحتاج حساسية وهدوءًا كي تصل بصدق، وأخرى تحتاج مواجهة مباشرة أو توترًا وصدامًا أكبر حتى تحتفظ بقوتها وتأثيرها.
ما يهمني أكثر هو أن يكون الأسلوب صادقًا مع العالم الذي أقدمه، لا أن أفرض نبرة واحدة على كل أعمالي. أحيانًا يمكن لفيلم خيالي أو بصري جدًا أن يحمل مشاعر هادئة وإنسانية، وأحيانًا أخرى قد تكون القصة أكثر قسوة أو حدة بطبيعتها.
في النهاية، أحاول دائمًا أن أترك لكل مشروع لغته الخاصة وإيقاعه الخاص، لأنني أؤمن أن السينما الحقيقية لا تُبنى على قالب واحد ثابت.
* ما الذي تخشينه أكثر كمخرجة شابة: أن يتم تصنيفك مبكرًا ضمن نمط معين، أم أن تُفهم أعمالك بشكل مختلف عما قصدتِه؟
- ربما أكثر ما أخشاه هو أن يتم اختزال المخرج أو حصره مبكرًا داخل قالب واحد ثابت، لأنني أؤمن أن السينما مساحة واسعة جدًا للتجربة والتغير واكتشاف مناطق جديدة مع كل مشروع. لا أحب فكرة أن يكرر الفنان نفسه فقط لأن الناس اعتادوا عليه بطريقة معينة.
في المقابل، أعتقد أن اختلاف تفسير الأعمال أمر طبيعي جدًا، بل أحيانًا جميل، لأن كل مشاهد يرى الفيلم من زاويته وتجربته الخاصة. بالنسبة لي، المهم أن يصل الإحساس الحقيقي للعمل، حتى لو اختلفت القراءات أو التأويلات.
أحب أن أترك مساحة للحرية داخل أفلامي، سواء لي كمخرجة أو للمشاهد نفسه، لأنني لا أرى السينما كشيء جامد أو قابل للتفسير الواحد. وربما هذا ما يجعلها ممتعة ومستمرة في الذاكرة.
* أعمالك تميل إلى الصمت والتفاصيل أكثر من الحوار المباشر... هل تعتبرين أن «الصورة» أصدق من «الكلمة» في التعبير السينمائي؟ ولماذا؟
- لا أتعامل مع السينما كقواعد ثابتة أو كاختيار دائم بين «الصورة» و»الكلمة». بالنسبة لي، كل فيلم يفرض لغته الخاصة وطريقته الخاصة في إيصال الإحساس. أحيانًا يكون الصمت أقوى من أي حوار، وأحيانًا تحتاج الشخصية أو اللحظة إلى مواجهة مباشرة وكلمات واضحة حتى تصل بكل قوتها.
ما يهمني في النهاية ليس أن انتمي إلى مدرسة سينمائية معينة أو أن ألتزم بشكل واحد من التعبير، بل إن أصل إلى الشعور الحقيقي داخل المشهد وأن يصل هذا الإحساس كاملًا إلى الجمهور. إذا احتاجت اللحظة إلى الهدوء سأذهب إليه، وإذا احتاجت إلى الصدام أو الانفجار العاطفي فلن أتردد في ذلك.
أؤمن أن السينما يجب أن تكون حية ومتحركة وغير محصورة داخل قالب واحد، لأن الهدف الحقيقي بالنسبة لي هو أن يشعر المشاهد بما يحدث بصدق، وأن يخرج من الفيلم وكأن شيئًا ما داخله قد تغيّر فعلًا.