عبدالوهاب الفايز
تسهيل وتطوير وتجويد (رحلة الحاج)، من الحصول على التأشيرة إلى عودته إلى بلاده، ظلت مجال الاهتمام والأولوية للحكومة السعودية.. فخدمة ضيوف الرحمن، كلنا كسعوديين، نراها من أعظم المسؤوليات التي نتحملها، ونتشرف ونسعد بتحمل هذه المسؤولية الدينية والتاريخية، فبلادنا مهد الإسلام وقبلة المسلمين. شرف عظيم الكل يتطلع إليه.
هذا الشرف العظيم ظللنا نحرص على تحويله إلى خدمات ومنافع للحاج. لذا تسعى المملكة إلى تسهيل رحلة الحاج والمعتمر بشكل شامل، بدءًا من لحظة تقديم طلب التأشيرة، مرورًا بكل مراحل السفر والوصول والتنقل داخل المدن المقدسة، وحتى لحظة العودة إلى الوطن سالمًا مطمئنًا. هذا التوجه ليس مجرد تحسينات إجرائية محدودة، بل هو نتيجة (إستراتيجية تنموية متكاملة) تعتمد على التخطيط المركزي الدقيق، والتنفيذ الاحترافي، والتطوير المستمر، بهدف رفع جودة الخدمات، تقليل المعاناة الجسدية والنفسية للحجاج، وتعزيز تجربتهم الروحية في أجواء تعبدية هادئة وكريمة.
بدأت هذه الرحلة التنموية بحملة (لا حج بدون تصريح)، التي أُطلقت لمواجهة التحديات التقليدية التي كانت تعيق تنظيم موسم الحج. كانت الحملة ضرورية للحد من التجاوزات في الأعداد، ومكافحة الاستغلال من قبل الوسطاء غير المنظمين، وضمان سلامة الحجاج في ظل تزايد الأعداد. من خلال هذه الحملة، تم إعادة هيكلة قطاع الحج والعمرة بشكل جذري وشامل.
شملت عملية الهيكلة تصحيح أوضاع مئات الشركات والمؤسسات العاملة في خدمة الحجاج، وفرض معايير صارمة للترخيص والرقابة، وتوحيد الجهود تحت إشراف حكومي مركزي فعال. أدى ذلك إلى رفع مستويات الشفافية، تحسين جودة الخدمات المقدمة، وخلق بيئة تنظيمية احترافية. وهذا ساهم في (بناء الثقة) بين الحجاج والجهات المنظمة، ومهد الطريق لمراحل تطويرية أكثر تقدمًا.
وبناءً على النجاحات التي تحققت في المرحلة الأولى، أطلقت وزارة الداخلية مبادرة (طريق مكة) عام 2017م ضمن برنامج ضيوف الرحمن، أحد برامج (رؤية السعودية 2030). هذه المبادرة تعد نقلة نوعية حقيقية في تجربة الحج. فبدلاً من مواجهة الإجراءات الإدارية المعقدة والمرهقة بعد الوصول إلى أراضي المملكة، أصبح الحاج ينهي كل الإجراءات في مطار بلده. تشمل هذه الإجراءات إصدار التأشيرة الإلكترونية، وأخذ الخصائص الحيوية، والتحقق من الاشتراطات الصحية، وإنهاء إجراءات الجوازات والجمارك، وترميز الأمتعة وفرزها وفق خطة الإقامة المحددة مسبقًا.
ونتيجة لهذا النظام المتكامل، أصبح وصول الحاج إلى مطاري جدة أو المدينة المنورة تجربة سلسة ومريحة. ينتقل الحاج مباشرة من الطائرة إلى الحافلة المخصصة له، وتصل أمتعته إلى مقر إقامته دون أي تأخير أو عناء. انخفض وقت الانتظار أمام منافذ الجوازات من ساعات طويلة إلى دقائق معدودة.
وقد استفاد من المبادرة حتى نهاية عام 2025 أكثر من 1.25 مليون حاج، ووصلت في عام 2026 إلى 10 دول عبر 17 منفذًا دوليًا (مطارًا أو صالة مخصصة) لإجراءات الحجاج (مثل الجوازات وأخذ البصمات ومتطلبات الصحة والأمتعة) في مطارات الدول المشاركة. والدول هي: (المغرب، إندونيسيا، ماليزيا، باكستان، بنغلاديش، تركيا، كوت ديفوار، المالديف، السنغال، بروناي دار السلام). هذا التوسع السريع والمستمر يعكس نجاح المبادرة وثقة الدول الإسلامية في المنظومة السعودية لخدمة الحجاج.
الإيجابي أن مبادرة (طريق مكة) تجاوزت كونها تسهيلاً إجرائيًا لتصبح نقلة نوعية في المنظومة اللوجستية لموسم الحج. في السابق، كان الازدحام الشديد في صالات الوصول يسبب إرهاقًا كبيرًا للحجاج، خاصة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، ويؤدي إلى تأخير كبير في استلام الأمتعة وارتباك في جدولة الحافلات. أما اليوم، فقد تحسنت إدارة الأمتعة بشكل دراماتيكي من خلال الفرز المسبق في بلد المغادرة، مما قلل الازدحام في أحزمة الأمتعة وأمام نقاط التفتيش.
النظام الجديد ساهم في تقليل الضغط على الكوادر العاملة في المطارات، مما سمح بتوجيه الموارد البشرية والتقنية نحو تحسين خدمات النقل بين المشاعر المقدسة والمسجد الحرام. نجاح هذه المبادرة يعكس أهمية التخطيط المركزي والتنسيق الفعال بين مختلف الجهات الحكومية (الجوازات، الصحة، النقل، والأمن). هذا النموذج أصبح قادرًا على استيعاب أعداد متزايدة من الحجاج مع الحفاظ على معايير عالية من الراحة والسلامة والكفاءة، وهو ما يجعله نموذجًا عالميًا يُحتذى به في إدارة الحشود الدينية الكبرى. والنقلة النوعية المنتظرة سوف تتحقق، بإذن الله، مع مشروع (مترو مكة)، الذي يُعد التتويج النوعي لهذه الجهود. ففي هذا الشهر، مايو 2026، أطلقت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة مناقصة لتصميم المشروع، مع موعد نهائي لتقديم العروض في 5 أغسطس 2026. يتكون المشروع من أربعة خطوط رئيسية (A، B، C، D) بطول إجمالي يصل إلى 182 كيلومترًا و89 محطة، بالإضافة إلى ثلاثة مراكز للتشغيل والصيانة. سيُنفذ على ثلاث مراحل رئيسية تمتد حتى عام 2045.
تركز المرحلة الأولى على الخطينB وC بطول يتجاوز 62 كيلومترًا و31 محطة (21 منها تحت الأرض)، بقدرة نقل تصل إلى 450 ألف راكب يوميًا. أما الطاقة الاستيعابية النهائية فسوف تصل إلى 1.2 مليون راكب يوميًا و642 مليون راكب سنويًا. يأتي المشروع في ظل نمو كبير في أعداد ضيوف الرحمن، حيث بلغ إجمالي الحجاج والمعتمرين حوالي 40 مليون زائر في السنوات الأخيرة، مع توقعات رسمية بالوصول إلى 30 مليون معتمر سنويًا بحلول عام 2030. سيسهم المترو في تخفيف الازدحام المروري، خفض الانبعاثات الكربونية، تعزيز الاستدامة البيئية، ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة للعاصمة المقدسة.
والاهم أن هذه المبادرات المتتالية تجد الدعم الإيجابي في مختلف الدول الإسلامية، وهذا ساعد على نجاحها. في إندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنغلاديش والسنغال وتركيا، أعرب الحجاج والمسؤولون عن تقديرهم الكبير لهذه التسهيلات، معتبرينها نقلة نوعية تسهم في راحة الحاج وتيسير أداء الفريضة بكل يسر وطمأنينة.
رغم التقدم الكبير، يواجه التوسع المستقبلي تحديات لوجستية وتقنية مهمة، مثل إدارة الأعداد الهائلة المتوقعة، تعزيز الأمن السيبراني لـ(حماية بيانات الحجاج)، وتبني حلول نقل مستدامة بيئيًا. إلا أن الخبرة المتراكمة، والالتزام الحكومي الصارم بأهمية (التخطيط المركزي) يمنحان المملكة القدرة على تجاوز هذه التحديات بنجاح.
وهكذا نجحنا، فالمركزية الصارمة أدت إلى تسهيل رحلة الحاج والمعتمر لأنها مشروعًا وطنيًا متكاملاً يتطور باستمرار. بدأ بـ(لا حج بدون تصريح)، ثم إعادة هيكلة القطاع، فمبادرة طريق مكة، ويتوج الآن بمشروع مترو مكة. هذا النهج الاستراتيجي يعكس التزام المملكة بأعلى معايير الضيافة والكفاءة، ويعزز مكانتها كرائدة عالمية في خدمة الحجاج والمعتمرين، لتظل تجربة الحج والعمرة كريمة وميسرة للمسلمين في كل مكان، ورحلة ذكريات ثرية بالصور والتجارب الإيمانية الجميلة.
إن نجاح مبادرة «طريق مكة» توضح أهمية تبني التخطيط المركزي والتنفيذ المتكامل، خاصة في قطاع النقل. هذا التوجه لم يقتصر على تسهيل رحلة الحج فحسب، بل ساهم أيضًا في تطوير المدن المقدسة ورفع كفاءة خدماتها العامة. فمن خلال التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة، أصبحت الخدمات أكثر مرونة واستجابة لاحتياجات الحجاج والسكان على حد سواء. وفي مكة هناك التطورات القادمة التي سوف تجعل من مكة نموذجاً متميزاً في خدمات المدن وراحة الزوار والسكان.