أوس أبو عطا
في الوقت الذي يكون فيه النظام الحاكم في طهران، بأمسّ الحاجة لحماية النسيج المجتمعي والحفاظ على الوحدة الوطنية، يعلن القائد العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أحمد رضا رادان، أن الأجهزة الأمنية اعتقلت أكثر من 6500 شخص منذ بداية ما وصفه بـ«الأحداث الأخيرة»، مشيراً إلى أن من بينهم عناصر مرتبطة بـ«الخيانة والتجسس».
وإذا عدنا ليوم 9 فبراير/ شباط من هذا العام، تحديداً، نقلت وكالة (رويترز) - عن صحيفة (شرق) الإيرانية أن حزب وحدة أمة إيران الإسلامية طالب بالإفراج عن الأمينة العامة للحزب آذر منصوري بعد اعتقالها مع قادة آخرين من (جبهة الإصلاح)، وهي مظلة للإصلاحيين والمعتدلين بالبلاد، حيث إن النظام الحاكم في إيران قام باعتقال 4 على الأقل من قادة التيار الإصلاحي. وفي ذات الفكرة، نقلت وكالة (رويترز) بتاريخ 29 أبريل نيسان، تصريحاً لـ فولكر تورك مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، بأن إيران أعدمت ما لا يقل عن 21 شخصاً منذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل واعتقلت أكثر من أربعة آلاف شخص بتهم تتعلق بالأمن القومي.
ومن الجلي القول إن هناك تحوّلاً صامتاً في الداخل الإيراني وبالأخص لدى النخبة، بالتخلي عن فكرة تصدير الثورة والتمدد والتغلغل داخل الدول العربية، فحرس ثوري ضعيف ومتهالك يعني بالضرورة أذرعاً إيرانية مبتورة مستقبلاً.
هذا التحوّل المتوقّع يقابله خطاب من المتشددين يقوم على التخوين لا لسبب منطقي، بل لانعدام الحجة ولإفلاسه بشكل بيِّن. ولعل من أبرز سمات الأنظمة المتهالكة أنها تعيش على ذكريات الماضي أكثر من قدرتها على العيش في الحاضر. تشعر أن بعض الومضات القديمة يمكن أن تسد عجزها عن مواكبة تحديات الحاضر والمستقبل.
تتخوف إيران اليوم من عودة الحرب وتعلن في كل لحظة استعدادها لها، وتعرقل تسليم حزب الله لسلاحه في لبنان، خوفاً منها على ذاتها وليس خوفاً على لبنان، فقد يأتي الوقت المناسب لهذا السلاح ليخفف عنها وطأة الحرب، ويدفع لبنان كي تحمل جزءاً من ضريبة الخسارة الساحقة للمشروع الإيراني، لا لشيء، بل لسبب وحيد أن هناك ميلشيا اسمها حزب الله غايتها هي حماية نظام الملالي في طهران وليس حماية لبنان والشعب اللبناني.
هذا الخوف الإيراني العميق يعني بشكل أو بآخر الوهن والضعف الداخلي لديها، وهذا الضعف يعني أيضاً ضعف أذرعها في المنطقة مثل حزب الله والحوثي والميلشيات في العراق التي قامت بضرب الدول العربية الشقيقة بتوجيهات من الحرس الثوري. واليوم نحن بحاجة ماسّة لإعادة تركيب الحياة السياسية داخل الدول العربية المتأذية من التمدد الإيراني، والتي جميعها دعمها ومولّها الحرس الثوري في إيران. وفي اتجاه آخر نجد أن شجرة السوء التي زرعتها إيران عبر أتباعها في المنطقة العربية تيبّست وهي تحترق رويداً رويداً. فهناك مشروع إيراني فاشل مبني على رهانات فاشلة وغبية وغيبية بالمطلق. ولعل أهم فكرة خاطئة انطلقت منذ انتصار الثورة الإيرانية ليومنا هذا، هي فكرة ابتزاز العالم بمضيق هرمز، وقد انعكست هذه الفكرة وارتدت سلباً وكانت وبالاً على إيران وما يحدث هو عكس ما خططت له طهران.
من نافل القول، أن المملكة العربية السعودية وفي ظل قيادة الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- هي نموذج واضح للنجاح والتقدم، وهي ليست أسيرة الشعارات والمزايدات والخطابات الجوفاء والرعناء، بل رائدة التقدم العلمي والحضاري والتطور بكل أنواعه ومجاراته عبر السباق نحو قمّة النهضة والتكنولوجيا.
لقد تفوّقت المملكة العربية السعودية بفراسة وعمق فكر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في تجنّب كوارث الحرب وإرهاصاتها، وفي اتجاه آخر نجد أن أبواق الحرب وأصحاب الرؤوس الحامية والفارغة يغرقون في غطرستهم، وبالتالي لا ينتبهون إلى أن ورقة التوت التي تغطي سوءاتهم قد سقطت من زمن ليس ببعيد. وبذكائه وفطنته نجح الأمير محمد بن سلمان من منع إيران تحقيق مرادها وأقصى طموحاتها بأن تشعل الفتنة بين مجلس دول التعاون الخليجي، فالشقيقة الكبرى تقف جنباً لجنب وتشكّل مظلة دفاعية ودبلوماسية واقتصادية مع كل الأشقاء في الخليج، بعدما فتح لهم الباب مشرعاً، للاستفادة من مسارات التجارة والتمويل من خلال البر والبحر والأجواء السعودية.
فالأمير محمد بن سلمان هو قائد بعيد النظر، معتدل بالحذر، فعَّال لا قوَّال، وهو يجسد امتداداً طبيعياً للقيادة السعودية التاريخية، منذ عهد الملك المؤسس، مما ينطبق عليهم قول الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى:
فما يكُ مِن خيرٍ أَتَوهُ فإنَّما
تَوَارَثَهُ آباءُ آبائِهمْ قَبْلُ
وهلْ يُنْبِتُ الخَطِيَّ إلاَّ وَشِيجُهُ
وتُغْرَسُ إلاَّ في مَنَابِتِها النَّخْلُ