مهدي العبار العنزي
في عالمٍ لا يعترف إلا بالأقوياء، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج فريد للدولة التي استطاعت أن تزاوج بين «عراقة الجذور» و»حداثة التأثير». إن علاقة الرياض بالدول الخمس دائمي العضوية في مجلس الأمن (صاحبة حق النقض) ليست مجرد ملفات ديبلوماسية فوق طاولة المفاوضات، بل هي «هندسة سياسية» بارعة صاغها ملوك المملكة منذ عهد التأسيس، لضمان استقلالية القرار الوطني ورسم ملامح مستقبل العالم.
1- الولايات المتحدة: من لقاء «الطراد» إلى فضاء التكنولوجيا
بدأت الحكاية في عمق البحر، وتحديدا في «البحيرة المرة» عام 1945، حين التقى الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن بالرئيس روزفلت. كان ذلك اللقاء بمثابة وضع حجر الأساس لأهم تحالف استراتيجي في القرن العشرين.
- تاريخياً: صمدت هذه العلاقة أمام أعنف العواصف الجيوسياسية بفضل وضوح الأهداف.
- المشهد الحالي: انتقلت الشراكة من مفهوم «الحماية والأمن» التقليدي إلى «التمكين والتحول التقني»، حيث تسهم الشركات الأمريكية الكبرى اليوم في مشاريع الرؤية، بينما تحافظ المملكة على ندية سياسية واضحة تعكس مكانتها كقائد للمنطقة.
2- بريطانيا وفرنسا: إرث العراقة والشراكة النوعية
تمثل لندن وباريس للمملكة بُعداً أوروبياً يغوص في أعماق التاريخ:
- بريطانيا: تربطنا بها معاهدات تاريخية (كصداقة دارين 1915)، وتطورت لتصبح شراكة في مجالات التعليم والخدمات المالية والدفاع. بريطانيا ترى في المملكة الشريك الأهم في الشرق الأوسط، والمملكة ترى فيها نافذة على الخبرة العريقة في التنظيم والمؤسسات.
- فرنسا: علاقة تتسم بـ»الرقي السياسي» والتقارب الثقافي. فمنذ اعتراف فرنسا بالدولة السعودية، والتعاون ينمو في مجالات الطاقة النووية السلمية، وحماية الموروث العالمي (كما في مشروع العلا)، مما يجعل باريس حليفاً استراتيجياً في صياغة مواقف دولية متزنة.
3- روسيا والصين: واقعية «الشرق» وتعدد الأقطاب
بذكاء وحكمة، لم تحصر المملكة خياراتها في زاوية واحدة، بل انطلقت نحو القوى الصاعدة في الشرق:
- روسيا: رغم تباين الأيديولوجيات قديماً، إلا أن لغة المصالح العليا فرضت نفسها. اليوم، يقود «اتفاق أوبك بلس» المشهد الاقتصادي العالمي بتنسيق سعودي روسي رفيع، لضمان توازن أسواق الطاقة، وهو ما يعكس قدرة المملكة على تحويل الخصومات التاريخية إلى شراكات نفطية واستراتيجية مهابة.
- الصين: العملاق الاقتصادي الذي وجد في «رؤية 2030» شريكاً مثالياً لمبادرة «الحزام والطريق». تاريخياً، كانت المملكة أول دولة عربية تقيم علاقات نوعية مع بكين، واليوم هي المورد الأول لطاقتها والشريك الأول في نقل التكنولوجيا الذكية وصناعة المستقبل.
الدبلوماسية السعودية: القوة الناعمة والقرار المستقل
إن ما يميز السياسة الخارجية السعودية هو أنها «سياسة مركز» لا «سياسة تبعية».
فالمملكة تمتلك ثلاث أوراق قوة تجعل الدول الخمس تسعى لخطب ودها:
1- الشرعية الدينية: لكونها قبلة المسلمين ومهبط الوحي، مما يمنحها نفوذاً روحياً على ملياري مسلم.
2- الثقل الاقتصادي: كمتحكم أساسي في شريان الطاقة العالمي وعضو فاعل في مجموعة العشرين.
3- الموقع الإستراتيجي: الرابط بين القارات الثلاث، مما يجعلها قلب «اللوجستيات» العالمية الجديد.
خاتمة:
نحو آفاق جديدة
إن المملكة العربية السعودية، وهي تتعامل مع القوى الكبرى، لا تنطلق من منطق رد الفعل، بل من منطق «الفعل المبادِر».
لقد أثبتت حنكة القيادة السعودية أن الدولة التي تمتلك تاريخاً عريقاً، وإيماناً راسخاً، ورؤية طموحة، هي التي تفرض شروطها في المحافل الدولية، وتجعل مــــن «حق النقض» وسيلة للتوازن لا للتصادم، سـعياً وراء استقرار الرخاء البشري.