مرفت بخاري
دعوةٌ بدأت أفتتح بها صباحاتي، وأختتم بها مساءاتي، بعدما أصبح هوس «الترند» يزحف إلى تفاصيل حياتنا بصورة لم تعد تُحتمل.
فكل يوم يولد حدث جديد، لا ليُفهم أو يُناقش بوعي، بل ليُستهلك بسرعة، وتُستنزف معه مشاعر الناس وآراؤهم وأوقاتهم.
أصبح أصحاب الترندات يتحكمون بمشاعر المجتمع بين استعطافٍ مقصود، أو صدمةٍ مفتعلة، أو استعراضٍ يثير الاشمئزاز أحيانًا، فقط لأن لفت الانتباه بات العملة الأكثر رواجًا في هذا العصر.
وبات المجتمع بأسره يشعر بأنه مُجبر على متابعة كل ما يتصدر المشهد، حتى لا يُتّهم بالجهل، أو عدم مواكبة «القضايا المهمة»، رغم أن كثيرًا مما يُطرح لا يمت للحقيقة أو الأهمية بصلة، بقدر ما يمتلك قدرة عالية على إثارة الجدل.
الجميع اليوم يُدلي بدلوه، الطبيب يفسّر، والأخصائي النفسي يحلل، والمشاهد يحاكم، والجمهور بين مصفّقٍ ومشهّر، وبينمن يقلّد ما يرى دون وعي، ومن يهاجم فقط ليضمن وجوده داخل دائرة التفاعل.
وهكذا تحولت المنصات إلى ساحات ضجيجٍ جماعية، لا يكفي فيها أن تكون حاضرًا، بل يجب أن تكون صادمًا، مختلفًا، أوخارجًا عن المألوف حتى يُلتفت إليك.
ومع مرور الوقت، لم يعد كسر العادات والقيم أمرًا مستهجنًا كما كان، بل أصبح لدى البعض وسيلة مختصرة للانتشار.
فكلما كانت الصدمة أكبر كانت المشاهدات أعلى، وكلما زاد الجدل، ارتفعت أرقام المتابعة والإعلانات والأرباح، حتى أصبح بعض صُنّاع المحتوى يتعاملون مع المجتمع بوصفه جمهورًا قابلًا لإعادة التشكيل، لا بشرًا يملكون وعيًا ومشاعر وحدودًا نفسية.
المؤلم حقًا، إن الإنسان لم يعد يُعامل كروحٍ لها احتياجها للطمأنينة والسكينة، بل كرقم، يُستدرج بالفضول، ويُستنزف بالانفعال، ثم يُترك منهكًا بعد كل موجة ترند جديدة.
نضحك حين يُطلب منا الضحك، ونغضب حين يُراد لنا الغضب، وندخل معارك لا تخصنا، ونتبنى آراء لم نمنح أنفسنا وقتًا كافيًا لفهمها، فقط لأن سرعة التفاعل أصبحت أهم من عمق الفكرة.
والأخطر من ذلك، أن كثافة التعرض لهذه المشاهد اليومية بدأت تُفقد الإنسان حساسيته الطبيعية تجاه الخطأ.
فما كان يُعتبر يومًا تجاوزًا صادمًا، أصبح يُستقبل اليوم على أنه «محتوى عادي»، وما كان يُرفض اجتماعيًا بات يُبرر تحت شعار الحرية أو الشهرة أو «مجاراة العصر».
ومع الوقت، لا تتغير المنصات فقط.. بل تتغير قلوب الناس أيضًا، ويتغير سقف تقبّلهم، وتبهت دهشتهم تجاه كل ما هو مؤذٍ أو مبتذل.
وكلما اتسعت المساحات المفتوحة بلا حدود، ازداد داخلي سؤال مرعب: كيف سنربي أبناءنا على معنى «العيب» و«الممنوع» في زمنٍ لم يعد يعترف أصلًا بالحدود؟
كيف سنقنع طفلًا أن بعض التصرفات لا تليق، بينما يراها تُصفق لها المنصات وتُكافأ بالملايين والمتابعات؟
كيف سنزرع الحياء في نفوسهم، وهم يشاهدون الجرأة تُقدَّم بوصفها قوة، وكسر القيم يُسوَّق على أنه شجاعة وحرية شخصية؟
أخاف أحيانًا من هذا الانفتاح غير المنضبط، ليس لأنني ضد التطور، ولا لأنني أرفض اختلاف الأجيال، بل لأن الطفل اليوم لم يعد يتلقى قيمه من المنزل وحده.
هناك آلاف الأصوات تدخل إلى عقله يوميًا، وآلاف المشاهد التي تعيد تشكيل مفهومه عن الصح والخطأ، والمقبول والمرفوض، دون أن نشعر.
جيلنا كان يتعلم «العيب» من نظرة، ويخاف من كلمة، وكانت بعض الحدود واضحة في داخلنا حتى دون شرح طويل.
أما اليوم، فأصبح الوالدان يخوضان معركة يومية مع عالم كامل، عالم يفتح لأبنائنا نوافذ لا نستطيع إغلاقها، ويضع أمامهم أفكارًا وسلوكيات أكبر من أعمارهم أحيانًا.
ولعل أكثر ما يخيف، أن التمرد لم يعد يُمارس بصمت كما كان، بل أصبح يُحتفى به علنًا، وكلما كان أكثر صدمةً، كان أكثر قابلية للانتشار.
حتى بات بعض الأبناء يخلطون بين الاستقلال والانفلات، وبين الحرية والتجرد من القيم، لأن المشهد من حولهم يعيد تعريف كل شيء بصورة مربكة.
لسنا نبحث عن تربية تقوم على المنع فقط، ولا نحلم بعزل أبنائنا عن العالم، فهذا مستحيل، لكننا نحاول أن نحافظ على شيءٍ من الفطرة وسط هذا الضجيج، وأن نربي داخلهم ضميرًا حيًا، يعرف متى يقول لا، حتى لو قال الجميع نعم.
لقد أصبح البعض مستعدًا لأن يكشف خصوصيته، ويعرض أسرته، ويحوّل ألمه الشخصي إلى مادةٍ جماهيرية، فقط ليضمن البقاء في دائرة الضوء.
وكأن الإنسان لم يعد يبحث عن حياة حقيقية يعيشها، بل عن حياة قابلة للتصوير والمشاركة والحصد الرقمي.
حتى اللحظات الإنسانية الصادقة لم تسلم من الاستثمار، الحزن يُصوَّر، والبكاء يُقتطع، والخلافات تُبث، وكأن قيمة المشاعر أصبحت مرتبطة بعدد المشاهدات لا بصدقها.
والمفارقة المؤلمة.