د.محمد بن عبدالرحمن البشر
فيما مضى كان المرء يتعلم من صفحات الكتب حتى يمكنه الحصول على المادة التي يبتغيها، وحتى يحقق ذلك لا بد له من قراءة عدد من الكتب ذات العلاقة لجمع المادة المطلوبة، ومن تلك المادة يظهر لنا بفكرة جيدة أو غير جيدة سواء في مجال العلوم التطبيقية البحتة او العلوم الإنسانية المختلفة، ولهذا فإنه كان لزاماً على طالب الدكتوراه مثلاً أن يرصد في مقدمة أطروحته الكتب التي أخذ منها مادته، والمراجع التي رجع إليها وقرأها، لهذا فلا يمكن له الوصول إلى غايته دون الإلمام بما في تلك الكتب ثم الاعتماد او الاستشهاد بما ورد فيها، واستبعاد ما ليس له علاقة ببحثه.
ومن أراد ان يقوم بتأليف كتاب في موضوع معين، فهو لا يترك شاردة ولا واردة ذات علاقة بكتابه إلا وقد ألم بها، فمثلا عند تأليف كتاب مباهج الأندلس، تم الرجوع إلى أكثر من مائة مرجع، وقراءة عدد من المخطوطات، وزيارة عدد من المكتبات في المغرب، والجزائر، وتونس، واسبانيا، وزيارة المكتبات الخاصة، والزوايا، للبحث عن إضافة، ولا بد من الاعتماد على أمهات الكتب في هذا المجال، مثل الذخيرة، والعقد الفريد، ونفح الطيب، وأزهار الرياض، وقلائد العقبان، والمطرب، ومطمح الأنفس، والمقتبس، ونثير فرائد الجمان لابن الأحمر، وجذوة المقتبس، والمعجب، ونفاضة الجراب، والريحانة، والكتيبة الكامنة، وغيرها، حتى لا يكاد يوجد كتاب عن الأندلس إلا وتمت قراءته، كما تمت قراءة دواوين شعراء الاندلس، مثل الغزال، وابن شهيد، وابن خفاجة، وابن زيدون الشاعر الشهير، وابن عباد الشاعر والملك الأسير، والسمير، وابن حزم، والرصافي الأندلسي، وأبو البركات، وولادة ولسان الدين بن الخطيب، الشاعر الأريب ذو العمرين وذو القبرين، وابن زمرك الذي سعى في قتل ابن الخطيب فتم له ما أراد، ودارت عليه الدوائر فقتل، والله لا يضيع حق العباد.
وقرأت حديثاً كتاباً من تأليف الشيخ حمد الجاسر، رحمه الله، وهو غني عن التعريف، وله باع في التاريخ والجغرافيا، وعلم الانساب، وله مؤلفات، وبحوث، ومقالات قيمة، وكان كتابه عن إبراهيم ابن عربي الذي كان والياً على اليمامة في وسط نجد من قبل الأمويين، والكتاب لم يقتصر على إبراهيم ابن عربي بل امتد إلى غيره، وقد رجع فيه إلى أمهات الكتب، لمؤلفين، مثل الطبري، وابن قتيبة، وابن إسحاق، وابن سعد، والبلاذري، وابن الكلبي، وابن عبد ربه، وخليفة خيط الذي توفي عام مائتين واثنين وعشرين هجريا، وقد قرأ عليه الإمام البخاري، وابن الأثير، وابن كثير، وغيرهم .
اليوم ومع التقدم في التقنية فإن المرء لا يحتاج إلى قراءة كل هذه الكتب، والتنقل بين المكتبات، والسفر من دولة إلى أخرى، وليس بالضرورة ان يقرأ كل ما تحويه هذه الكتب حتى يعثر على المادة التي يريدها، فما عليه إلا أن يضع أصبعه، أو يتكلم بلسانه إلى جهازه، فيكتب له الجهاز ما يريد، وبالطريقة التي يرغبها، فإن كان مختصراً، فعل، وان أراده مطولاً أسهب، وهذا شيء مذهل، حتى خطيب الجمعة لا يحتاج إلا إلى أصبعه لجهازه فتكون الخطبة بين يديه، بالصيغة التي يرغبها، فهل سيتوقف المؤلفون عن التأليف، أم ان طريقة الوصول إلى الفكرة ستكون مختلفة، لأن التفكير والوصول إلى نتيجة جديدة هي بيد البشر، وليس الجهاز حتى الآن، لكن سيكون في المستقبل ما يجعل الجهاز يفكر، هذا أمر ربما يحدث، واليوم قد يختلف عن غد، مثلما أنه يختلف عن الأمس، ويبقى الإنسان هو الإنسان الذي يقوم بالإبداع، وتحديد الهدف والغاية، كما أنه سيبقى صاحب العواطف والذوق التي بهما يحكم على ما يقابله، فيقبل ما يستسيغه ويستهويه، ويستبعد ما يستثقله ويشينه.