صبحي شبانة
التصعيد الأميركي الأخير تجاه إيران لم يكن مجرد رد فعل سياسي عابر على الورقة التي حملها الوسيط الباكستاني، بل بدا وكأنه إعلان واضح بأن إدارة ترامب بدأت تفقد صبرها تجاه سياسة المناورات الإيرانية، فالرئيس الأميركي عندما وصف الرد الإيراني بأنه «فارغ» ولا يستحق الرد، كان يبعث برسالة مزدوجة؛ الأولى إلى طهران بأن مرحلة كسب الوقت قد انتهت، والثانية إلى القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين، بأن واشنطن قد تكون أقرب من أي وقت مضى إلى إعادة تفعيل الخيار العسكري إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات حقيقية تعالج جذور الأزمة.
لكن قراءة المشهد من زاوية التصعيد فقط تبدو قراءة ناقصة، لأن ما يجري في العمق هو عملية إعادة ترتيب كبرى لموازين النفوذ الدولي، فإيران لم تعد بالنسبة لواشنطن مجرد دولة تسعى لامتلاك نفوذ إقليمي أو تطوير برنامج نووي، بل أصبحت جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل الهيمنة الأميركية، وحدود الصعود الصيني، وشكل التحالفات الدولية الجديدة التي تتشكل بهدوء منذ سنوات.
الصين تدرك بدورها أن الأزمة الإيرانية لم تعد ملفاً إقليمياً محصوراً في حدود الشرق الأوسط، بل تحولت إلى قضية ترتبط مباشرة بمصالحها الاستراتيجية الكبرى، فبكين تعتمد بصورة كبيرة على استقرار الخليج لضمان تدفق الطاقة، كما أن أي اضطراب واسع في المنطقة قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للاقتصاد الصيني الذي يواجه بالفعل تحديات داخلية وخارجية معقدة.
ولهذا فإن القيادة الصينية تبدو حريصة على منع الانفجار، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تظهر بمظهر الطرف الذي تخلى عن إيران تحت الضغط الأميركي، فالصين تنظر إلى طهران باعتبارها شريكاً مهماً في مشروع «الحزام والطريق»، كما ترى أن الحفاظ على التوازن في الشرق الأوسط يمنحها مساحة أوسع لمنافسة النفوذ الأميركي عالمياً.
غير أن بكين تدرك أيضاً أن الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن من أجل إيران ليس خياراً واقعياً، خصوصاً في ظل الترابط الاقتصادي العميق بين القوتين، وحجم المصالح المتبادلة بينهما، ولذلك تبدو القمة الحالية وكأنها محاولة معقدة للوصول إلى صيغة توازن جديدة، تضمن عدم انفجار المنطقة، وفي الوقت نفسه تحفظ لكل طرف مصالحه الاستراتيجية.
ومن هنا يمكن فهم الطريقة التي يدير بها ترامب هذه الأزمة، فالرجل لا يتعامل مع الملف الإيراني باعتباره ملفاً أمنياً فقط، بل يراه ورقة ضغط متعددة الاستخدامات، فهو يدرك أن الصين تخشى الحرب، وتخشى اضطراب الملاحة البحرية، وتخشى كذلك أي ارتفاع كبير في أسعار الطاقة قد ينعكس على اقتصادها وصناعاتها وأسواقها، ولهذا قد يحاول استثمار حالة القلق الصينية للحصول على تنازلات في ملفات أخرى، سواء ما يتعلق بالتجارة أو التكنولوجيا أو النفوذ في آسيا.
لكن في المقابل، فإن الصين قد تسعى إلى استخدام الملف الإيراني كورقة تفاوضية هي الأخرى، عبر لعب دور الوسيط القادر على تهدئة التوترات ومنع الانفجار، بما يمنحها مكانة سياسية أكبر على الساحة الدولية، ويكرس صورتها كقوة عالمية قادرة على إدارة الأزمات وليس فقط المنافسة الاقتصادية.
النتائج المتوقعة للقمة تبدو متعددة ومعقدة، لكنها على الأرجح ستسير في اتجاهين متوازيين؛ الأول هو محاولة احتواء التصعيد العسكري ومنع الوصول إلى مواجهة شاملة، والثاني هو بناء تفاهمات غير معلنة حول قواعد الاشتباك وحدود التحرك في المنطقة، فمن غير المرجح أن تذهب واشنطن إلى حرب واسعة ومفتوحة في هذه المرحلة، لأن تكلفة مثل هذه الحرب ستكون ضخمة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، ليس فقط على الولايات المتحدة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره. وفي الوقت نفسه، تدرك إيران أن الذهاب بعيداً في التصعيد قد يضعها أمام مواجهة لا تستطيع تحمل نتائجها، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية والتغيرات الإقليمية المتسارعة، ولهذا قد تخرج القمة بتفاهمات غير مباشرة تسمح بخفض مستوى التوتر، مع استمرار الضغوط الأميركية واحتفاظ واشنطن بأوراق الردع العسكري كورقة ضغط دائمة.
المنطقة لن تعود كما كانت، فالشرق الأوسط يدخل بالفعل مرحلة جديدة تختلف عن العقود السابقة، لم تعد التحالفات التقليدية وحدها هي التي تحكم المشهد، ولم تعد القوى الكبرى تنظر إلى المنطقة فقط باعتبارها مصدراً للطاقة، بل باعتبارها مركزاً استراتيجياً يتحكم في التجارة العالمية والممرات البحرية وسلاسل الإمداد الدولية.
الخليج العربي سيكون في قلب هذه المعادلة، فالدول الخليجية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، أصبحت لاعباً محورياً في معادلات الاقتصاد والسياسة والطاقة، والرياض تحديداً نجحت خلال السنوات الأخيرة في إعادة صياغة موقعها الإقليمي والدولي بطريقة جعلتها قادرة على بناء علاقات متوازنة مع واشنطن وبكين في آن واحد، دون الدخول في سياسة المحاور التقليدية.
وهذا التحول السعودي يمنح الخليج قدرة أكبر على المناورة في ظل الصراع الدولي المحتدم، فالعالم اليوم يحتاج إلى استقرار الخليج أكثر من أي وقت مضى، سواء لضمان تدفق الطاقة أو لحماية حركة التجارة العالمية، كما أن القوى الكبرى باتت تدرك أن أي اضطراب واسع في هذه المنطقة ستكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد الدولي وأسواق المال والنمو العالمي.
واشنطن تعمل على تعزيز وجودها العسكري بصورة أكثر دقة ومرونة، مع التركيز على حماية الممرات البحرية ومنظومات الدفاع الجوي، بينما ستواصل الصين تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي بهدوء، دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
أما إيران، فقد تجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها الإقليمية، خصوصاً إذا شعرت بأن بكين لن تمنحها غطاءً مفتوحاً في مواجهة واشنطن، وفي هذه الحالة قد تتجه طهران إلى سياسة أكثر براغماتية تقوم على خفض التصعيد مقابل الحفاظ على النظام وتجنب الانهيار الاقتصادي أو العسكري.
لكن الخطر الحقيقي لا يزال قائماً، لأن المنطقة تعيش فوق أرض شديدة الهشاشة، فمجرد خطأ محدود في الخليج أو البحر الأحمر أو العراق أو حتى في الملف النووي قد يشعل مواجهة أوسع يصعب احتواؤها، ولهذا فإن نجاح القمة لن يقاس فقط بما سيصدر عنها من بيانات وتصريحات، بل بقدرتها على بناء توازنات تمنع الانفجار وتحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
المشهد العالمي اليوم يبدو وكأنه يقف أمام مرحلة انتقالية كبرى؛ الولايات المتحدة تحاول استعادة موقعها القيادي، والصين تسعى إلى تثبيت نفسها كقوة عظمى كاملة النفوذ، بينما تتحول مناطق مثل الشرق الأوسط والخليج إلى ساحات اختبار لهذه التحولات الجديدة، وفي قلب هذا المشهد تقف إيران باعتبارها العقدة الأكثر تعقيداً في الحسابات الدولية.
الشرق الأوسط، سيظل حتى إشعار آخر معلقاً بين احتمالين؛ إما مرحلة تهدئة مشروطة تفرضها المصالح الدولية الكبرى، أو موجة تصعيد جديدة تعيد رسم الخرائط السياسية والأمنية والاقتصادية للمنطقة بأكملها، وبين هذين الاحتمالين.