مبارك بن عوض الدوسري
في اللحظات التي بدأ فيها ضيوف الرحمن يتوجهون إلى مشعر منى استعداداً ليوم التروية، تجلت واحدة من أبهى صور العطاء الإنساني التي تميز المملكة، حيث وقف فتية وشباب جمعية الكشافة العربية السعودية في مقدمة الصفوف، يحملون على عاتقهم رسالة سامية، ويقدمون نموذجاً مشرفاً للشباب السعودي الذي تربى على حب الخير، والإيثار، وخدمة الإنسان دون انتظار مقابل.
فمنذ مساء السابع من ذي الحجة، ومع بدء توافد الحجاج إلى مشعر منى، تحولت مراكز “مساك عناية” التابعة لوزارة الحج والعمرة إلى خلية عمل لا تهدأ، يتوزع فيها الكشافة والقادة الكشفيون في مواقعهم بدقة وتنظيم، يستقبلون الحجاج بابتسامات صادقة، ويقدمون الإرشاد والمساندة، ويقودون كبار السن والعاجزين إلى مخيماتهم بكل رفق واهتمام؛ كانت خطواتهم ثابتة، وقلوبهم مفعمة بالرحمة، وأيديهم تمتد لكل محتاج، في مشهد يعكس أصالة المجتمع السعودي الذي جعل من التطوع ثقافة راسخة، ومن خدمة الآخرين قيمة يومية يعيشها أبناؤه في كل ميدان.
وفي الطرقات المؤدية إلى المخيمات، كانت أصوات التلبية تمتزج بعبارات الدعاء التي يرددها الحجاج امتناناً لأولئك الفتية الذين جعلوا من الخدمة شرفاً، ومن البذل أسلوب حياة؛ كان الحاج الذي يضل طريقه يجد أمامه شاباً سعودياً يرافقه حتى يصل، وكان كبير السن الذي يعجز عن الحركة يجد من يدفع عربته بحنان الابن، وكان المريض الذي يحتاج إلى عناية يجد من يسانده حتى يصل إلى المركز الصحي؛ هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها، الكبيرة في أثرها، هي ما يصنع الفارق، وهي ما يجعل الكشافة جزءاً من ذاكرة الحجاج كل عام.
ولم تتوقف جهود الكشافة عند الإرشاد الميداني، بل امتدت إلى المستشفيات والمراكز الصحية المنتشرة في مشعر منى، حيث وقفوا جنباً إلى جنب مع أبطال وزارة الصحة، ينظمون حركة المراجعين، ويساندون الفرق الطبية، وينقلون المرضى وكبار السن بالعربات المتحركة بين الأقسام، ويتعاونون مع فرق الطوارئ لتسهيل الحركة داخل المرافق الصحية؛ كانوا هناك في كل زاوية، يخففون عن المرضى، ويطمئنون المتعبين، ويرافقون المتعافين إلى مقار سكنهم، في صورة تجسد أسمى معاني الإنسانية.
ومع كل حاج يعود إلى مخيمه مطمئناً، كانت الدعوات الصادقة تسبق خطوات الكشافة، وترتفع الأكف بالدعاء لهم ولوطنهم وقيادتهم، تقديراً لما يجدونه من خدمات متكاملة سخّرتها حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- لخدمة ضيوف الرحمن، عبر منظومة عمل تشارك فيها مختلف الجهات الحكومية والتطوعية بروح الفريق الواحد.
وتؤكد جمعية الكشافة العربية السعودية، من خلال معسكرات الخدمة العامة التي تقيمها سنوياً في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، أن العمل الكشفي لم يعد مجرد نشاط شبابي، بل أصبح مدرسة وطنية تُخرّج أجيالاً تؤمن بالمسؤولية، وتترجم قيم المواطنة إلى أعمال ميدانية يلمس أثرها الجميع؛ فالكشاف السعودي اليوم هو ابن هذا الوطن المعطاء، وهو صورة صادقة لشباب المملكة الذين يجمعون بين الأخلاق الرفيعة، والهمة العالية، والقدرة على العطاء بلا حدود.
ويبقى يوم التروية محطة إيمانية عظيمة، تتجلى فيها وحدة المسلمين وهم يتوافدون إلى المشاعر المقدسة بقلوب خاشعة، فيما يواصل أبناء الوطن من الكشافة والقادة والقائدات كتابة صفحات مضيئة من البذل والإنسانية؛ إنها صفحات لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالمواقف، وبالابتسامة التي تُطمئن حاجاً، وباليد التي تُعين مسناً، وبالقلب الذي ينبض حباً للخير، ليبقى شباب المملكة نموذجاً مشرفاً لشباب العالم الإسلامي، ورمزاً لمجتمع يحب التطوع، ويعتز بخدمة الإنسان، ويؤمن بأن الخير رسالة لا تنتهي.