الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
أكد متخصص في المجال الوقفي أن حاجة المجتمع إلى الوقف أكثر مما مضى لكثرة واتساع مجالات الخير، وقام الأستاذ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم السماعيل الباحث والمستشار في مجال الأوقاف بدراسة علمية عن: «المعتقدات الخاطئة حول الوقف»، حيث استعرضت الدراسة بعض المعتقدات الخاطئة، وبيان أضرارها.
وأوضح الباحث إبراهيم السماعيل أن المعتقدات الخاطئة هي أفكار أو آراء يظن الناس أنها صحيحة، لكنها في الواقع لا تستند إلى أساس من الصحة. وقد تنشأ من معلومات غير دقيقة، أو تفسيرات مشوَّهة للواقع، أو خرافات متوارثة عبر الأجيال.
«الجزيرة» التقت الباحث إبراهيم السماعيل في هذا الحوار الذي تركز حول تلك الدراسة العلمية الحديثة، وفيما يلي نص الحوار:
* بداية ما أسباب المعتقدات الخاطئة عن الوقف؟
- تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى نشوء المعتقدات الخاطئة حول الوقف، ومن أبرزها:
الجهل بالأحكام الشرعية: ضعف الوعي الشرعي بأحكام الوقف ومقاصده، وعدم الاطلاع على دوره في التاريخ الإسلامي، يُؤدي إلى تبنّي تصورات غير صحيحة عن طبيعته وأهدافه، وقصور في التوعية والثقافة الوقفية.
سوء إدارة بعض الأوقاف أو تعثرها في تحقيق أهدافها قد يزرع انطباعًا سلبيًا، ويُعزز الشكوك حول فاعلية الوقف وجدواه، مع تجارب سلبية سابقة. مرور البعض بتجارب شخصية أو مجتمعية فيها تقصير أو فساد في إدارة الأوقاف، يترك أثرًا نفسيًا يُفضي إلى تعميم خاطئ، وتخوفات غير مبررة.
بعض الناس يخشون أن يؤثر الوقف على حقوق الورثة أو على أملاكهم الشخصية، مما يخلق حاجزًا نفسيًا يدفعهم إلى رفض الوقف أو الشك في مشروعيته.
الوراثة الاجتماعية للمفاهيم المغلوطة: انتقال مفاهيم خاطئة عن الوقف بين الأجيال دون تمحيص أو مراجعة يُسهم في ترسيخ تلك المعتقدات وجعلها كأنها مسلّمات.
* ما أهمية تحديد المعتقدات الخاطئة حول الوقف؟
- تحديد المعتقدات الخاطئة حول الوقف يُفيد في الكشف عن المصادر الأساسية لمشكلات الأوقاف والواقفين، وفي فهم دوافع وسلوكيات الواقفين بشكل أفضل، وتحسين توجهات الواقفين من خلال معالجة هذه المعتقدات، وتشكيل الوعي المجتمعي الصحيح حول نظام الأوقاف، ومساعدة صانعي القرار في وضع تشريعات وأنظمة أكثر فعالية.
* هل أوضحتم بعضاً من المعتقدات الخاطئة حول الوقف وتصحيحها؟
- من المعتقدات الخاطئة عن الوقف، ما يلي:
1 - الوقف فقط للمساجد والمقابر: والصحيح: أن الوقف يشمل جميع مجالات الخير: التعليم، الصحة، الإسكان، البحث العلمي، حفظ القرآن، رعاية الحيوان، وغير ذلك من المشاريع التنموية والاجتماعية.
2 - الوقف لا يجوز تغييره بعد التخصيص: والصحيح: أن الأصل في الوقف الثبات، لكن إذا تعطلت منفعته أو تغيرت الظروف، يجوز إبداله أو تعديل استثماره بما يحقق مصلحة الوقف، بإذن القضاء أو الجهة المختصة.
3 - الوقف يجب أن يكون عقارًا فقط: والصحيح: أنه يجوز وقف المنقولات (كالسيارات، والكتب، والآلات) والنقد (الوقف النقدي)، بشرط استثمارها بشكل شرعي يعود بالنفع المستمر.
4 - الوقف يخص الأغنياء فقط: والصحيح: أن الوقف ليس حكرًا على الأثرياء، فكل شخص يمكنه المشاركة فيه ولو بمبلغ صغير (مثل: المشاركة في الأوقاف الجماعية أو الأوقاف النقدية).
5 - عائد الوقف يجب أن يُوزع على الفقراء: والصحيح: أنه يمكن توجيه ريع الوقف لأي جهة برّ مشروعة، مثل التعليم، الصحة، الدعوة، الأبحاث العلمية، والبنية التحتية، حسب شرط الواقف.
6 - الوقف يضر الورثة ويُقلل ميراثهم: والصحيح: أن الوقف حال كونه غير منجز (وصية) يجوز ضمن حدود الثلث دون إذن الورثة، وبإذنهم إن زاد. وهو صدقة جارية ينتفع بها صاحبها وتُعلي منزلته، ولا يعد ظلمًا إذا رُوعي فيه العدل.
7 - لا يمكن إيقاف الوقف أو استرجاعه: والصحيح: أن بعض الأوقاف قد تكون مؤقتة ويجوز إنهاؤها أو فسخها إذا تعطلت منافعها أو خالفت الشريعة، بناءً على حكم قضائي.
8 - الوقف غير خاضع للمساءلة الشرعية: والصحيح: أن الوقف تتم إدارته وفق أحكام الشريعة، ويخضع للرقابة الشرعية لضمان شفافية الاستثمار وتوزيع العوائد.
9 - الوقف لا يجوز إلا على جهات معينة: الصحيح أن الوقف يجوز على أي جهة برّ، سواء كانت جهة خيرية، أو تعليمية، أو صحية، أو غيرها، بشرط ألا تخالف الشريعة.
10 - الواقف ليس له حق تغيير شروط الوقف بعد تحديده: الصحيح أنه يجوز للواقف تعديل بعض الشروط إذا رُئي أن التعديل يحقق مصلحة الوقف، مع الالتزام بالضوابط الشرعية.
11 - الوقف لا يجوز إلا على الأقارب: الصحيح أن الوقف يجوز على الأقارب وغيرهم من المحتاجين والمستحقين، ولا يوجد حصر للوقف على فئة معينة من الناس.
12 - الوقف هو مجرد تبرع عادي كالصدقة العامة: الصحيح أن الوقف هو حبس الأصل وتسبيل المنفعة، أي أن الأصل لا يُباع ولا يُورَّث، وإنما تُصرف منافعه فيما حدده الواقف.
13 - الوقف لا يجوز إلا في حالة المرض: الصحيح أن الوقف يجوز في كل وقت، من الصحيح والمريض، بشرط الالتزام بأحكام الثلث في مرض الموت.
14 - الوقف لا يجوز إلا على الذكور: الصحيح أن الوقف يجوز على الذكور والإناث على حد سواء، ولا يوجد أي تمييز بينهما في هذا الجانب.
15 - الوقف يُضيّع حقوق الورثة: والصحيح أن الشريعة الإسلامية نظّمت أحكام الوقف بشكل لا يتعارض مع حقوق الورثة، فالأصل أن لا يُنفَّذ الوقف في مرض الموت إلا في حدود الثلث، إلا إذا أذن الورثة بما زاد. أما إذا كان الوقف في حال الصحة، فهو تصرف مشروع يُثاب عليه الواقف، ولا يُعدّ ظلمًا للورثة، بل قد يكون سببًا في نفعهم وبركةٍ لهم في الدنيا والآخرة.
16 - الوقف يمكن مصادرته أو وضع اليد عليه من قبل الجهات المسؤولة: والصحيح أن الوقف في الشريعة الإسلامية مال محبوس لا يُباع ولا يُورَّث ولا يُصادَر، وتجب صيانته وحمايته، ويُعدّ الاعتداء عليه تعديًا على حق الله وحق الموقوف عليهم. كما أن الأنظمة الحديثة في كثير من الدول الإسلامية تكفل حماية الوقف قانونيًا، وتُجرّم التعدي عليه أو تغيير وجهته إلا وفق الضوابط الشرعية والقانونية المعتمدة.
17 - الوقف يُضعف الاقتصاد بتجميد الأصول: والصحيح إن الوقف لا يجمّد الأصول بمعنى تعطيلها، بل يُسهم في تنشيط الاقتصاد من خلال استثمار الأصول الوقفية وتوجيه عوائدها لمجالات حيوية كالتعليم، والصحة، والإسكان، والإغاثة، كما يُعد من أدوات التنمية طويلة الأجل التي تُعزز التكافل وتقلل الاعتماد على الإنفاق الحكومي، ما يجعله عنصر دعم للاقتصاد لا عبئًا عليه.
18 - الوقف يساهم في تنمية الكسل والاتكالية لدى الفقراء: والصحيح أن الوقف لا يُنشأ لإغناء الناس دون مقابل، بل يُوجَّه في كثير من الأحيان إلى تمكين الفقراء من خلال التعليم، والتدريب، والعلاج، والإسكان، ودعم المشاريع الصغيرة، وتوفير فرص العمل، مما يُسهم في رفع كفاءتهم، وتعزيز استقلاليتهم، وتمكينهم من الاعتماد على أنفسهم بدلًا من الاتكال على المساعدات الدائمة.
* وما الآثار السلبية للمعتقدات الخاطئة عن الوقف؟
- تُفضي المعتقدات الخاطئة عن الوقف إلى آثار سلبية متعددة تمسّ الفرد والمجتمع والاقتصاد والدين، ومن أبرز ما يترتب عليها ما يلي: ضعف المشاركة المجتمعية في الوقف: عندما تسود معتقدات خاطئة مثل «الوقف فقط للأغنياء» أو «الوقف مال مجمّد لا فائدة منه»، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع الحماس للمساهمة الوقفية، وحرمان المجتمع من مورد مهم ومستدام للخير والتنمية، وتعطيل الدور التنموي للوقف: لطالما أسهم الوقف في مجالات التعليم، والصحة، والإغاثة، والبنية التحتية، لكن حين يُنظر إليه بنظرة سلبية أو خاطئة، تضعف قيمته في أعين الناس، مما يُضعف تأثيره المجتمعي ويقلل من دوره في التنمية، ونشر الجهل بالشريعة ومقاصدها.
الاعتقاد بأن الوقف بدعة، أو أن لا فائدة فيه، أو أن أجره لا يستمر، يدل على ضعف في فهم مقاصد الشريعة، ويؤدي إلى انتشار مفاهيم دينية مغلوطة، وكذلك الخلط بين الوقف وغيره من الأدوات المالية. قد يظن البعض أن الوقف كالزكاة أو التبرعات المؤقتة، مما يؤدي إلى سوء استخدام الأوقاف أو ضياعها، بسبب الجهل بطبيعتها الدائمة والمستمرة، وإضعاف الثقة في المؤسسات الوقفية: عندما يعتقد الناس أن الأموال الموقوفة تُهدر أو لا تُدار بشفافية، تتراجع الثقة العامة في الوقف، مما يثنيهم عن دعمه أو التبرع له، وتحوّل الوقف إلى عبء لا فاعلية له: إذا سادت فكرة أن الوقف غير مرن، أو أنه لا يواكب احتياجات العصر، فقد يُهمل أو يُدار بطريقة تقليدية غير فعالة، فيتحول من وسيلة نفع إلى عبء إداري واجتماعي، وكذلك فقدان فرص الأجر والثواب المستمر.
من ينساق خلف المعتقدات الخاطئة قد يُحرم من فضل الوقف كصدقة جارية يستمر نفعها بعد وفاته، وهو من أعظم ما يمكن أن يخسره الإنسان على المستوى الشخصي، والتأثير السلبي في سلوك الأفراد وقراراتهم.
المعتقدات الخاطئة تُكوّن إطارًا مرجعيًا للفرد، فإذا بُني هذا الإطار على خطأ، كانت قراراته وسلوكياته غير منضبطة شرعًا ولا عقلًا، مما يُضر بحياته الخاصة والعامة، وعرقلة التقدّم الفكري والاجتماعي.
عندما تترسخ معتقدات باطلة في المجتمع، فإنها تصبح حواجز تمنع التفكير النقدي، والابتكار، وتؤخر التقدّم العلمي والثقافي، وتغذّي مظاهر الجهل والخرافة، مع قابليتها للاستغلال وقد تُستغل المعتقدات الخاطئة في توجيه الناس لخدمة مصالح مادية أو سياسية أو دينية مشبوهة، مما يهدد وعي المجتمع ووحدته، وتشويه الفهم الصحيح للدين والواقع: كثير من المعتقدات الخاطئة تُنسب زورًا إلى الدين، وتؤدي إلى ممارسات بدعية أو فهم مغلوط للتشريع الإسلامي، مما يُنتج صورًا سلبية عن الإسلام بين المسلمين أنفسهم والناس عمومًا، وسهولة انتشارها وترسخها عبر الأجيال.
المعتقدات الخاطئة غالبًا ما تُتوارث دون تمحيص، فتصبح «مسلمات» يصعب نقدها إلا من خلال التوعية والتصحيح المستمر، ولهذا يجب التحذير منها مبكرًا لتقليل انتشارها، مع امتداد أثرها من الفرد إلى المجتمع. ولا يقتصر ضرر المعتقدات الخاطئة على الأفراد، بل يمتد ليؤثر على قرارات مجتمعية كبرى، كالتعليم، والصحة، والاقتصاد، مما يجعل مواجهتها مسؤولية جماعية.
* كيف ترون علاج المعتقدات الخاطئة؟
- علاج المعتقدات الخاطئة يتطلّب جهدًا متكاملًا يجمع بين التوعية، والتعليم، والتصحيح المستمر، مع التركيز على معالجة الجذور وليس المظاهر فقط، ومن أبرز الأساليب الفعالة لتصحيح المعتقدات الخاطئة حول الوقف ما يلي:
1 - التوعية الشرعية والعلمية:
نشر المفاهيم الصحيحة المستندة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال العلماء المعتبرين، وتوضيح مقاصد الشريعة في الوقف، وإبراز دوره كأداة تنموية وليس عبئًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا.
2 - التعليم والتثقيف الوقفي:
إدراج مفاهيم الوقف في المناهج الدراسية والبرامج التعليمية، وتنظيم دورات توعوية ومحاضرات في المساجد والمدارس والجامعات لشرح أحكام الوقف وأهميته.
3 - تصحيح النماذج السلبية:
التعامل الشفاف مع قضايا الفساد أو القصور في إدارة الأوقاف، ومعالجتها علنًا، وتسليط الضوء على النماذج الناجحة في الأوقاف الحديثة، وإبراز أثرها الإيجابي على المجتمع.
4 - الحملات الإعلامية والتوعوية:
استخدام وسائل الإعلام التقليدية والرقمية (التلفاز، منصات التواصل) لبث رسائل توعوية مؤثرة، وتفنيد الشبهات الشائعة بأسلوب واضح وجذاب يناسب جميع الفئات.
5 - إشراك المؤثرين والمثقفين والدعاة:
توجيه الشخصيات المؤثرة في المجتمع لنشر الفهم الصحيح للوقف، ودعم جهود العلماء والدعاة في تصحيح المفاهيم الخاطئة عبر المنابر المختلفة.
6 - الرد على الشبهات بالحجة والمنطق:
استخدام الأدلة الشرعية والعقلية لدحض المزاعم الخاطئة، وعدم الاعتماد على الخطاب الوعظي فقط، وتوضيح الفرق بين الوقف والزكاة والصدقة، وبيان منزلة كل منها في الشريعة، وأوجه الاختلاف بينهما من حيث الأحكام والمقاصد.
7 - تعزيز الرقابة والشفافية في إدارة الأوقاف:
رفع مستوى الشفافية والمساءلة في المؤسسات الوقفية، ونشر التقارير الدورية عن الأوقاف، وأوجه صرفها، ومردودها المجتمعي.
8 - التشريع والحماية القانونية:
تعزيز الأنظمة والقوانين التي تنظّم الوقف وتمنع الاعتداء عليه أو تحريفه عن مقصوده، وتمكين الجهات القضائية والرقابية من التدخل عند وجود خلل أو إساءة استخدام.