وائل العتيبي - الرياض:
لم يعد حضور المستشار تركي آل الشيخ في المشهد الفني مجرد رعاية لمواسم ترفيهية أو دعم لنجوم الشاشة، بل بات يمثل مشروعًا متكاملًا لإعادة تعريف موقع السينما العربية على الخريطة العالمية، عبر إنتاجات ضخمة، وشراكات دولية، وبناء بنية تحتية تجعل من الرياض مركزًا جديدًا لصناعة الترفيه في المنطقة.
النجاح اللافت لفيلم «7DOGS» في أول أيام عرضه، بعدما حقق إيرادات تجاوزت 6.6 ملايين جنيه في مصر، لم يكن مجرد رقم تجاري عابر، بل مؤشرًا على تحوّل أعمق تقوده السعودية نحو صناعة سينمائية قادرة على المنافسة الإقليمية والدولية. فقد وصف آل الشيخ الفيلم بأنه «تجربة سينمائية غير مسبوقة»، مؤكدًا أن «القادم أكبر»، في رسالة تعكس حجم الرهان على المشروع الفني الذي يقوده.
من الترفيه إلى القوة الناعمة
ما يلفت في تجربة تركي آل الشيخ ليس فقط ضخامة الإنفاق أو الحضور الإعلامي، بل الطريقة التي يحاول بها نقل الترفيه من مفهوم الفعالية المؤقتة إلى مفهوم «الصناعة». ففيلم «7DOGS» الذي بلغت ميزانيته نحو 40 مليون دولار، يعد من أضخم الإنتاجات العربية على الإطلاق، جامعًا أسماء عربية وعالمية في عمل واحد، من كريم عبدالعزيز وأحمد عز، إلى مونيكا بيلوتشي وسلمان خان وسانجاي دوت، في محاولة واضحة لصناعة منتج عربي بملامح عالمية.
هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن السينما لم تعد مجرد فن، بل أداة تأثير ثقافي واقتصادي وسياسي أيضًا. فالدول الكبرى لا تصدّر أفلامًا فقط، بل تصدّر صورتها، وقيمها، وخيالها الجماعي. ومن هنا، تبدو مشاريع آل الشيخ امتدادًا لرؤية تسعى إلى إعادة تموضع السعودية كقوة ثقافية جديدة في المنطقة.
«الحصن Big Time».. ولادة مدينة سينمائية
الأهمية الحقيقية لفيلم «7DOGS» ربما لا تكمن في قصته البوليسية المليئة بالمطاردات والانفجارات، بل في كونه أول عمل يتم تصويره بالكامل داخل استوديوهات «الحصن Big Time» في الرياض، في خطوة تؤس لبنية تحتية سينمائية غير مسبوقة عربيًا.
أن تتحول الرياض إلى موقع قادر على استضافة إنتاجات بهذا الحجم، يعني أن المملكة لم تعد سوقًا مستهلكة للمحتوى فحسب، بل أصبحت قادرة على إنتاجه وتصديره أيضًا. وهو تحول إستراتيجي يتجاوز الفن نحو الاقتصاد الإبداعي، وخلق وظائف جديدة، واستقطاب الخبرات العالمية، وتدريب المواهب السعودية الشابة.
ولعل توثيق موسوعة «غينيس» لرقمين قياسيين داخل الفيلم - أكبر انفجار سينمائي، وأكبر كمية متفجرات عالية الشدة في مشهد واحد - ليس مجرد دعاية بصرية، بل رسالة تقول إن الصناعة العربية قادرة على تنفيذ ما كان يُعتقد طويلًا أنه حكر على هوليوود.
تركي آل الشيخ.. من الداعم إلى الشريك الإبداعي
اللافت أيضًا أن آل الشيخ لم يكتفِ بدور الممول أو الداعم، بل دخل إلى قلب العملية الإبداعية نفسها، عبر كتابة قصة «7DOGS»، ثم ظهوره ممثلًا فيلم «البوليفارد»، في إشارة إلى علاقة شخصية وشغف حقي بعالم السينما.
مشاركته في «البوليفارد» حملت بعدًا رمزيًا أكثر من كونها ظهورًا تمثيليًا؛ إذ حرص خلال العمل على الإشادة بالمواهب السعودية الشابة، وكأن الرسالة الأهم ليست ظهوره أمام الكاميرا، بل التأكيد أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة صناعة جيل سعودي جديد قادر على حمل المشروع الفني محليًا وعربيًا.
صناعة الحلم السعودي الجديد
ما يحدث اليوم يتجاوز فكرة «نجاح فيلم» أو «افتتاحية تاريخية»، بل يرتبط بإعادة صياغة صورة السعودية ثقافيًا أمام العالم. فالمملكة التي كانت تُعرف لعقود بثقلها السياسي والاقتصادي والديني، تحاول اليوم أن تقدم نفسها أيضًا كمنصة للفنون، والترفيه، والإنتاج الإبداعي.
وفي هذا السياق، يبدو تركي آل الشيخ واحدًا من أبرز الوجوه التي تقود هذا التحول؛ ليس فقط عبر الإنفاق السخي، بل عبر خلق حالة جماهيرية وإعلامية مستمرة، تجعل من كل مشروع حدثًا يتجاوز حدود الشاشة.
ربما لهذا قال آل الشيخ بثقة: «القادم أكبر»؛ لأن ما يجري لا يبدو مشروع فيلم واحد، بل مشروع صناعة كاملة تبحث عن مكانها في العالم.