سعدون مطلق السوارج
لم تعد المنطقة تقف أمام توترٍ عابر يمكن احتواؤه ببيانات التهدئة أو بإدارة الأزمات التقليدية، بل أمام مرحلةٍ تُعاد فيها صياغة موازين النفوذ على وقع صراعٍ يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى صراعٍ على شكل الشرق الأوسط ذاته، وعلى الجهة القادرة على فرض إيقاعه في العقود القادمة.
وفي قلب هذا المشهد المضطرب، لم يعد الخليج العربي -وفي مقدمته المملكة العربية السعودية- ذلك الطرف الذي ينتظر ارتدادات الأحداث ليتعامل معها، بل أصبح مركزًا تتجه إليه أنظار العالم كلما اهتزت المنطقة، وكلما اقتربت الممرات البحرية من حافة التوتر، وكلما حاولت بعض القوى دفع الشرق الأوسط نحو مزيدٍ من الفوضى والاستنزاف.
لقد كشفت التطورات الأخيرة، بما فيها محاولات استهداف المملكة عبر المسيّرات، والتصعيد المتكرر المرتبط بمضيق هرمز، أن المنطقة لم تعد تواجه مجرد خلافات سياسية تقليدية، بل مشروعًا يقوم على إنهاك الاستقرار الخليجي، وإبقاء المنطقة داخل دائرة ضغطٍ دائم، عبر أدوات تتغير أشكالها لكن أهدافها تبقى واحدة: إرباك الأمن، واستنزاف الاقتصاد، والضغط على الممرات الحيوية، ومحاولة فرض النفوذ عبر التوتر المستمر.
غير أن أخطر ما في المشهد لم يكن التصعيد ذاته، بل التحول العميق الذي كشفه هذا التصعيد؛ إذ بدا واضحًا أن الخليج لم يعد يتعامل مع هذه التهديدات بعقلية رد الفعل المؤقت، بل بمنطقٍ مختلف يقوم على: احتواء الاضطراب، وحماية التوازن، ومنع انزلاق المنطقة إلى الفوضى المفتوحة، وتحويل الاستقرار ذاته إلى أداة قوة ونفوذ.
وهنا تحديدًا، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها الركيزة الأهم في معادلة التوازن الإقليمي، ليس فقط بما تملكه من ثقلٍ اقتصادي وسياسي، بل بما تمتلكه من قدرة على إدارة المشهد بأعصابٍ باردة في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا وتعقيدًا في تاريخ المنطقة الحديث.
فالعالم الذي كان ينظر إلى الخليج لعقود باعتباره خزانًا للطاقة، بات اليوم ينظر إليه باعتباره أحد الأعمدة التي يستند إليها الاستقرار الاقتصادي الدولي بأسره. وأي اضطراب في هذه المنطقة لم يعد يعني ارتفاع أسعار النفط فحسب، بل يهدد: التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، وحركة النقل البحري، والأسواق الدولية، ومعدلات النمو الاقتصادي حول العالم.
ولهذا، لم تعد محاولات تهديد الممرات البحرية أو الضغط على الخليج تُقرأ باعتبارها أوراقًا سياسية عابرة، بل باعتبارها تهديدًا مباشرًا لاستقرار الاقتصاد العالمي نفسه.
وفي مقابل هذا الإدراك الدولي المتصاعد، تبدو إيران وكأنها ما تزال تراهن على أدوات تنتمي إلى مرحلة تتغير بسرعة. فسياسة الضغط عبر التوتر، والتلويح بالممرات البحرية، واستنزاف المنطقة عبر الأذرع والتهديدات غير المباشرة، لم تعد تنتج النفوذ ذاته الذي كانت تراهن عليه طهران لعقود، بل بدأت تكشف عن مأزقٍ استراتيجي يتعمق كلما ازداد الخليج تماسكًا وحضورًا في المعادلات الدولية.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الرهان على إنهاك المنطقة لم يعد قادرًا على كسر التوازن الخليجي، لأن دول الخليج -وفي مقدمته المملكة العربية السعودية- لم تعد تدير الاستقرار بوصفه حالة دفاعية مؤقتة، بل بوصفه مشروع قوة متكاملًا يعيد صياغة مفهوم النفوذ في المنطقة.
ومن هنا، لم يكن مستغربًا أن تتجه الأنظار الدولية نحو الرياض مع كل تصعيد تشهده المنطقة، لأن المملكة لم تعد تُنظر إليها بوصفها قوة إقليمية فحسب، بل باعتبارها أحد أهم مراكز ضبط التوازن في الشرق الأوسط، والطرف الأكثر قدرة على منع الانفجار الكبير الذي قد تمتد آثاره إلى الاقتصاد الدولي بأسره.
وفي هذا السياق، برز مجلس التعاون لدول الخليج العربية بصورة مختلفة تمامًا عن الصورة التقليدية التي حاول البعض اختزالها لسنوات. فالمجلس اليوم لا يظهر كإطار تنسيقي محدود، بل كمنظومة سياسية واقتصادية وأمنية يزداد تماسكها كلما تعقدت التحديات المحيطة بها، وككتلة تمتلك من أدوات التأثير ما يجعلها أكثر قدرة على حماية مصالحها الجماعية، وفرض حضورها داخل المعادلات الدولية الجديدة.
لقد أدرك الخليج مبكرًا أن المنطقة دخلت زمن التهديدات المركبة؛ حيث لم تعد المواجهات تُدار بالجيوش وحدها، بل عبر: الضغوط الاقتصادية، وحرب المعلومات، واستهداف الممرات الحيوية، ومحاولات إنهاك الدول من الداخل، وإغراق المنطقة في أزماتٍ متلاحقة تستنزف الاستقرار وتربك مسارات التنمية.
غير أن ما بدا أكثر وضوحًا خلال هذه المرحلة هو فشل هذه المحاولات في تحقيق أهدافها الكبرى، لأن الخليج لم يعد يتحرك بمنطق إدارة الأزمات فقط، بل بمنطق إعادة تشكيل البيئة الإقليمية نفسها بصورة تجعل الاستقرار أكثر رسوخًا، وأكثر ارتباطًا بمصالح العالم بأسره.
وهنا تحديدًا، تبرز رؤية السعودية 2030 بوصفها أحد أهم التحولات الاستراتيجية في المنطقة الحديثة؛ فهي لم تعد مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروعًا سياديًا يعيد بناء: الاقتصاد، والنفوذ، ومكانة الدولة، والعلاقات الدولية، ومفهوم القوة ذاته.
ولهذا، فإن القوة السعودية اليوم لا تُقاس فقط بما تملكه المملكة من موارد أو ثقل سياسي، بل بقدرتها على الجمع بين: الاقتصاد، والطاقة، والاستثمار، والتقنية، والاستقرار الداخلي، والقدرة على إدارة التوازنات المعقدة بثقةٍ وثبات.
وفي المقابل، تبدو محاولات إغراق المنطقة في التوتر وكأنها تصطدم بواقعٍ مختلف تمامًا عن ذلك الذي عرفته المنطقة قبل سنوات. فالخليج اليوم أكثر تماسكًا، وأكثر حضورًا، وأكثر قدرة على تحويل الاستقرار إلى نفوذ طويل الأمد، بينما تتراجع فاعلية الأدوات القائمة على الاستنزاف والفوضى والضغط غير المباشر.
إن أخطر ما يحدث في المنطقة اليوم ليس التصعيد العسكري وحده، بل التحول التاريخي الهادئ في تعريف القوة نفسها. فالدول التي ستفرض حضورها في المرحلة المقبلة ليست تلك التي تملك القدرة على إنتاج الأزمات فقط، بل تلك التي تستطيع: حماية الاستقرار، والتحكم في مفاصل الاقتصاد والطاقة، وإدارة التوازنات الدقيقة، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مركز تأثير عالمي.
وهنا تحديدًا، لا يبدو الخليج -وفي مقدمته المملكة العربية السعودية- مجرد طرفٍ يتفاعل مع التحولات الجارية، بل قوة تُعاد حولها صياغة جزء كبير من معادلات المنطقة والعالم.
وفي المحصلة، فإن ما يجري اليوم يتجاوز حدود التصعيد الآني أو التوترات العابرة؛ إنه صراع بين مشروعين: مشروع يسعى إلى إبقاء المنطقة رهينة للفوضى والاستنزاف، ومشروع آخر يقوده الخليج، يقوم على تثبيت الاستقرار، وبناء النفوذ، وإعادة تعريف القوة عبر الاقتصاد والتنمية والتوازن.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن المنطقة التي اعتادت لعقود الدفاع عن استقرارها.. أصبحت اليوم تملك القدرة على إعادة تعريفه، وفرض إيقاعه على المشهد الإقليمي بأسره، ليس بوصفها ساحةً تتأثر بالتحولات، بل كقوةٍ صاعدة تُعيد رسم موازين النفوذ، وتفرض معادلاتٍ جديدة تُقاس فيها المكانة بقدرة الدول على صناعة التوازن، وحماية المصالح، وتحويل الاستقرار ذاته إلى مصدرٍ دائم للقوة والتأثير.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي