صبحي شبانة
تقف المنطقة العربية اليوم أمام واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية حساسية منذ عقود؛ لحظة تختلط فيها خرائط النفوذ بصراعات الطاقة، وتتقاطع فيها الحسابات الدولية مع طموحات القوى الإقليمية، بينما يتراجع اليقين القديم الذي حكم توازنات الشرق الأوسط طويلًا، لم تعد الأسئلة تدور فقط حول الحرب والسلام، بل حول من يملك القدرة على البقاء والتأثير في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، وبين تراجع المظلة الأمريكية، وصعود الطموح الإيراني، وحياد القوى الكبرى، يبدو العالم العربي وكأنه مطالب بإعادة اكتشاف نفسه من جديد، ليس عبر الشعارات، بل عبر بناء مفهوم أكثر واقعية للأمن والقوة والمصالح المشتركة؛ مفهوم يدرك أن زمن الاتكال قد انتهى، وأن المستقبل لن ينتظر المترددين.
لم يكن المشهد الذي واجهته المنطقة خلال السنوات الأخيرة مجرد سلسلة أزمات سياسية متلاحقة، ولا مجرد جولات تصعيد عابرة بين القوى الإقليمية والدولية، بل بدا وكأن الشرق الأوسط كله يقف أمام لحظة تاريخية فاصلة يُعاد فيها تعريف القوة، والنفوذ، والتحالفات، وحتى معنى الأمن ذاته، فالعالم العربي الذي عاش لعقود طويلة تحت مظلة توازنات دولية شبه ثابتة، وجد نفسه فجأة أمام واقع جديد تتغير فيه قواعد اللعبة بسرعة غير مسبوقة، وتتبدل فيه موازين القوى بصورة تفرض على الجميع إعادة التفكير في كل المسلمات القديمة.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم لم يعد: من الأقوى عسكريًا؟، أو من يمتلك النفوذ الأكبر؟، بل أصبح السؤال الحقيقي: هل ما زال هناك شيء يمكن تسميته بالأمن القومي العربي؟، وهل بقي هذا المفهوم حاضرًا وقادرًا على حماية الدول العربية في زمن التحولات الكبرى، أم أنه تحول إلى مجرد مصطلح سياسي فقد كثيرًا من قدرته على التأثير أمام واقع تتقدم فيه المصالح الوطنية الضيقة، وتتصاعد فيه النزاعات الإقليمية، وتتراجع فيه الثقة بالمظلات الدولية التقليدية؟
لقد كان الأمن القومي العربي في مرحلة من المراحل تعبيرًا عن حلم سياسي كبير يقوم على فكرة أن العرب يشكلون فضاءً استراتيجيًا واحدًا، وأن تهديد أي دولة عربية يمثل تهديدًا لبقية الدول. كان هذا المفهوم يرتبط تاريخيًا بمواجهات الحفاظ على الهوية العربية والسيادة الوطنية في مواجهة التدخلات الخارجية، وبالقضية الفلسطينية، وبفكرة مواجهة التهديدات الخارجية بصورة جماعية، لكن السنوات الماضية كشفت أن المنطقة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، وأن التهديدات لم تعد تأتي فقط من خارج الحدود، بل أصبحت تتسلل عبر الانقسامات الداخلية، والحروب بالوكالة، والميليشيات العابرة للدول، والحروب الاقتصادية، وحتى عبر الفضاء الإلكتروني والإعلامي.
وإذا كانت بعض الدول العربية قد اعتادت لعقود طويلة الاعتماد على الحضور الأمريكي بوصفه الضامن الأساسي لاستقرار المنطقة، فإن ما جرى مؤخرًا كشف بوضوح أن الولايات المتحدة نفسها لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط بالمنطق ذاته الذي حكم سياساتها منذ نهاية الحرب الباردة، فواشنطن التي أنفقت تريليونات الدولارات في حروب المنطقة، وأقامت قواعد عسكرية ضخمة، وقادت تحالفات أمنية معقدة، تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى تقليص انخراطها المباشر، وأكثر اهتمامًا بإعادة توجيه استراتيجيتها نحو آسيا والمحيط الهادئ في إطار صراعها الأكبر مع الصين.
هذا التحول الأمريكي لا يعني انسحابًا كاملًا من المنطقة، لكنه يعني شيئًا أكثر خطورة بالنسبة للعرب: أن المظلة الأمنية التقليدية لم تعد مضمونة كما كانت، فالولايات المتحدة أصبحت تتعامل مع أزمات الشرق الأوسط بمنطق إدارة التوازنات لا بمنطق الحسم، وتسعى إلى تقليل كلفة المواجهات المباشرة، خصوصًا بعد التجارب المريرة في العراق وأفغانستان، ولذلك بات واضحًا أن كثيرًا من الدول العربية بدأت تدرك أن زمن الاعتماد المطلق على الحماية الخارجية يقترب من نهايته، وأن عليها التفكير جديًا في بناء قدراتها الذاتية وتحالفاتها الإقليمية بصورة مختلفة.
وفي المقابل، كانت إيران تتحرك بثقة متزايدة داخل الفراغات التي خلفها التراجع النسبي للدور الأمريكي، فمنذ سنوات طويلة، عملت طهران على بناء شبكة نفوذ إقليمية معقدة تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، مستفيدة من الحروب والفوضى والانقسامات التي ضربت عددًا من الدول العربية. ولم تعد إيران تتحدث فقط عن حماية مصالحها، بل أصبحت تتصرف باعتبارها قوة إقليمية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
ولأن الخليج العربي يمثل القلب الاقتصادي والاستراتيجي للعالم العربي، فقد تحول إلى مركز التوتر الأكبر في هذا الصراع المفتوح، فالممرات والمضايق البحرية لم تعد مجرد طرق لنقل النفط والتجارة، بل أصبحت شرايين حيوية للأمن العالمي كله، وأي تهديد لاستقرار الخليج لم يعد يؤثر فقط على الدول العربية، بل ينعكس فورًا على الاقتصاد الدولي، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية.
ومن هنا يمكن فهم حجم القلق والتوتر الذي تعيشه المنطقة حاليًا، فالقضية لم تعد مجرد خلاف سياسي بين واشنطن وطهران، ولا مجرد صراع نفوذ تقليدي، بل تحولت إلى معركة طويلة على شكل النظام الإقليمي المقبل، الولايات المتحدة لا تريد أن تظهر بمظهر القوة المنسحبة أو العاجزة عن حماية حلفائها، وإيران ترى أن اللحظة الحالية قد تكون فرصة تاريخية لتكريس نفوذها الإقليمي، بينما تجد الدول العربية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تحمي أمنها واستقرارها في عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتتراجع فيه الضمانات القديمة؟
أما الصين، التي يراهن البعض على صعودها كقوة عالمية قادرة على موازنة النفوذ الأمريكي، فهي ما تزال تتعامل مع المنطقة بعقلية مختلفة تمامًا، فبكين تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره شريانًا اقتصاديًا حيويًا لمبادرة “الحزام والطريق”، ومصدرًا رئيسيًا للطاقة، وسوقًا ضخمة للاستثمارات والتجارة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة للدخول في مغامرات عسكرية أو تحمل أعباء أمنية ضخمة كتلك التي تحملتها الولايات المتحدة لعقود.
الصين تريد الاستقرار، لكنها لا تريد التورط. تريد التجارة، لكنها لا تريد الحروب، ولذلك فإن حيادها النسبي في كثير من أزمات المنطقة يعكس فلسفتها السياسية القائمة على تجنب الصدامات المباشرة والتركيز على النفوذ الاقتصادي طويل المدى، وهذا يعني أن الدول العربية لا تستطيع ببساطة استبدال المظلة الأمريكية بمظلة صينية، لأن بكين نفسها لا تقدم نفسها بوصفها حليفًا أمنيًا تقليديًا.
في ضوء هذه التحولات، يصبح السؤال عن مستقبل الأمن القومي العربي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالمفهوم القديم القائم على الخطابات والشعارات لم يعد كافيًا، والمنطقة تحتاج إلى رؤية أكثر واقعية وعملية، وربما تكون اللحظة الحالية فرصة لإعادة تعريف الأمن القومي العربي على أسس جديدة تتلاءم مع طبيعة التهديدات الحديثة.
فالأمن اليوم لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح اقتصاديًا وتكنولوجيًا وإعلاميًا وغذائيًا ومائيًا أيضًا، والدولة التي لا تمتلك اقتصادًا قويًا، ولا تكنولوجيا متقدمة، ولا قدرة على حماية فضائها المعلوماتي، تصبح أكثر هشاشة حتى لو امتلكت ترسانة عسكرية ضخمة، كما أن مفهوم الأمن العربي الجديد لا يمكن أن يقوم على ردود الأفعال المؤقتة، بل يجب أن يستند إلى مشروع استراتيجي طويل المدى يركز على بناء القوة الذاتية العربية، فالعالم لا يحترم الضعفاء، ولا يحمي من لا يملكون القدرة على حماية أنفسهم، والتاريخ يثبت أن الدول التي تبني استقرارها بالكامل على القوى الخارجية تظل معرضة للاهتزاز مع أي تغير في المصالح الدولية.
ومن هنا تبرز أهمية التحولات التي تشهدها بعض الدول الخليجية والعربية في مجالات التنمية الاقتصادية، والتكنولوجيا، والصناعات العسكرية، وتنويع مصادر الدخل، فهذه التحولات ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي جزء من بناء مفهوم جديد للقوة العربية يعتمد على الاقتصاد والمعرفة بقدر اعتماده على السلاح.
وفي قلب هذه التحولات تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجًا لمحاولة بناء معادلة مختلفة في المنطقة، فالرياض لم تعد تتحرك فقط باعتبارها قوة نفطية كبرى، بل باعتبارها لاعبًا استراتيجيًا يسعى إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية من خلال الجمع بين القوة الاقتصادية، والدبلوماسية، والتنمية، والانفتاح الدولي، وهي تدرك أن استقرار المنطقة لم يعد ترفًا سياسيًا، بل شرط أساسي لاستمرار مشاريع التحول الكبرى التي تشهدها المنطقة.
لكن رغم كل ذلك، تبقى التحديات هائلة، فالشرق الأوسط ما يزال منطقة مفتوحة على احتمالات متعددة، من التصعيد العسكري، إلى الحروب غير التقليدية، إلى الصراعات الاقتصادية والسيبرانية، كما أن غياب مشروع عربي جماعي واضح يجعل كثيرًا من الدول تتحرك بصورة منفردة، وهو ما قد يضعف القدرة على مواجهة التحديات المشتركة.
ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المنطقة اليوم هو الاستسلام لفكرة العجز أو انتظار الحلول القادمة من الخارج، فالعالم يتغير بسرعة، والقوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها لا وفق عواطفها، والدول التي لا تعيد بناء نفسها بنفسها تجد نفسها عاجلًا أو آجلًا خارج معادلات التأثير.
ربما لم يعد الأمن القومي العربي ممكنًا بصيغته القديمة، لكن هذا لا يعني نهايته، بل ربما تكون المنطقة أمام فرصة لإنتاج مفهوم أكثر نضجًا وواقعية؛ مفهوم يقوم على احترام الدولة الوطنية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وبناء التحالفات الاستراتيجية المرنة، وحماية المصالح العربية المشتركة بعيدًا عن الشعارات التي استهلكها الزمن.
فالمرحلة المقبلة لن تكون للأكثر ضجيجًا، بل للأكثر قدرة على التكيف، والأكثر استعدادًا لفهم طبيعة العالم الجديد، وفي زمن التحولات الكبرى، لا مكان للدول التي تعيش على أمجاد الماضي أو تنتظر من الآخرين أن يحموا حاضرها ومستقبلها.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تمامًا، مرحلة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات لعقود قادمة، والسؤال الذي سيحدد شكل المستقبل ليس فقط من يملك القوة، بل من يملك الرؤية، ومن يستطيع أن يحول التحديات إلى فرصة لبناء نظام عربي أكثر توازنًا واستقلالًا وقدرة على حماية نفسه في عالم لم يعد يعترف إلا بالأقوياء.