د. إبراهيم بن جلال فضلون
من يملك مفاتيح الخليج، يملك توقيت الساعة العالمية؛ فليست الأهمية فيما يخرج من باطن أرضه، بل في كونه الجسر والجغرافيا التي لا تنام، فلا يمكن للعالم أن يعبر من دونه، حيث يمثل الخليج العربي في الوعي التاريخي والجيوسياسي «السرّة» التي يربط من خلالها العالم أطرافه.
وقد حدثنا جلال الدين الرومي عن أهمية الموقع الخليجي ومدى تأثيره رغم قلة حجمه جغرافيًا: «أنت لست قطرة في محيط، أنت المحيط بأكمله في قطرة»، فما نشهده اليوم ليس مجرد طفرة نفطية، بل هو استعادة لدور تاريخي طبيعي سلبته التحولات الاستعمارية لفترة وجيزة، ثم عاد ليفرض نفسه كمركز ثقل عالمي.. لتكتسب عبارة الرومي بعداً واقعياً يتجاوز الروحانيات، ففي قلب الأزمات والحروب المناطقية، تبرز أن هذه المنطقة مركزيتها في المعادلة الدولية بأكملها.
إنه التاريخ.. لا يكتبه المنتصرون دائماً، بل يكتبه أولئك الذين عرفوا كيف يحولون قسوة الصحراء إلى ملتقىً لجميع بحار المعمورة. إذ إن منطقة الخليج العربي منذ ظهور أول حضارة بشرية عليها، من الطرق المائية والبحرية المهمة وملتقى حضارات الشرق القديم، فقد كان العالم واعياً إلى ثراء منطقة الخليج العربي، لا كونها جزءاً كبيراً من مصادر الطاقة العالمية، بل كونها بمثابة قلب الشرق الأوسط، فعبر الفرات نستطيع الوصول إلى البحر المتوسط، وعبر دجلة وتركيا نصل إلى البحر الأسود، وعبر إيران إلى بحر الخزر، ثم روسيا وأفغانستان، لكن هذه الحرب الأخيرة ثبتت المكانة الراسخة لها في العالم أجمع، وأثبتت أن تأثير هذه الدول في العالم لا يحسب بارتفاع أسعار الوقود، بل يصل إلى عمق المنظومات المعيشية والسياسية والتقنية، وهو ما يجسّد فعلياً فكرة «المحيط في قطرة».
إنّ المميزات الجغرافية والاستراتيجية جعلت المنطقة محل أطماع عديد الدول والقوى الإقليمية والدولية. حيث أن أهمية منطقة الخليج العربي بدأت تتصاعد بشكل أكبر تزامنا مع جملة التطورات الدولية، أبرزها صعود الولايات المتحدة الأمريكية على قمة الهرم الرأسمالي، والتي تبوأت مركز الزعامة الامبريالية، إضافة إلى دخول النفط العربي الأكثر تمركزا في بلدان الخليج العربية مرحلة الإنتاج والتسويق، وبشكل خاص إلى البلدان الصناعية في أوربا، الولايات المتحدة الأمريكية اليابان وسواها. ولم تلبث الولايات المتحدة أن سجلت سبقا دوليا في مضمار علاقاتها مع دول الخليج، حيث أتت هذه العلاقة في إطار استراتيجية أمريكية قائمة على التفرد والسيطرة.
لم يكن الخليج يوماً منطقة هامشية؛ فقبل اكتشاف النفط بقرون، كان هو «الشريان الأبهر» للتجارة العالمية عبر التاريخ (من اللؤلؤ إلى البيانات)، وهنا يحضرني فكرة «أثر الفراشة»، كنظرية فيزيائية، للعالم الأميركي إدوارد لورينز عام 1963، والتي انتقلت كالبرق للعلوم السياسية، فإيران كانت تنظر إلى المنطقة على أنها تقع في قلب مجالها الحيوي وتعتبرها امتداداً لأمنها، وحاولت بدورها ملء الفراغ بعد انسحاب بريطانيا؛ حيث قامت باحتلال جزر الإمارات الثلاث، وقد صدق أرنولد توينبي (مؤرخ الحضارات)، بأن منطقة الشرق الأوسط (والخليج قلبها) هي «نقطة ارتكاز» الحضارة الإنسانية، وأن أي خلل فيها يؤدي إلى اهتزاز النظام العالمي.
فهذه الأزمة أثبتت فعلياً أن الخليج محور لا يمكن تحمل العيش من دونه، إذ أشار ابن خلدون في رؤيته للعمران، إلى أن «التجارة تتبع طرق الأمان»، وكان الخليج تاريخياً هو الملاذ الآمن للقوافل البحرية التي تهرب من اضطرابات الطرق البرية، والسعودية اليوم تنتقل من «اقتصاد الاستخراج» إلى «اقتصاد القيمة المضافة»، فصحراؤها وفق الرؤية الجديدة لم تعد مساحةً من الصمت، بل هي مخزن للزمن والموارد؛ حيث تتحول الرمال إلى سيليكون، وتتحول الشمس إلى وقود أخضر، ويصبح باطن الأرض شريكاً في صناعة المستقبل لا مجرد ممول له»، فيقدر حجم الثروات المعدنية غير المستغلة في الدرع العربي بنحو 1.3 إلى 2.5 تريليون دولار.
وفي ظل هذه الأزمة، يكون التميز ليس في امتلاك المورد، بل في القدرة على حبس قيمته المضافة داخل الحدود؛ فالمادة الخام هي (رسالة)، والصناعة هي (الجواب)، ليعيد الخليج رسم ملامحه من جديد، فهو ليس مخزناً للطاقة فحسب، بل هو «عنق الزجاجة» للتجارة العالمية، وبمجرد حدوث أي اضطراب في إمدادات الطاقة أو في ممرات الملاحة في الخليج، حدثت حالة من «الارتباك العالمي»، وأدى الارتفاع الفوري في الأسعار بل إلى موجة غلاء في أوروبا وأميركا وآسيا، حيث ترتبط أسعار كل شيء بتكلفة الطاقة والشحن. بل يمكنه أن يدمّر النظام الصناعي والمعيشي في أجزاء واسعة من الكرة الأرضية، ونشهد كيف يمكن أن تعاني الحركة الجوية ومطارات العالم حالة ارتباك طويل الأجل بسبب تأخير أو تعطيل وصول وقود الطائرات بلغ مداه لإفلاس بعضها.
إن التميز السعودي اليوم يكمن في الانتقال من (جغرافيا الوفرة) إلى (جغرافيا الابتكار)؛ فالمملكة لم تعد تنتظر ما تجود به الأسواق العالمية، بل أصبحت هي من يحدد قواعد اللعبة في مجالات الطاقة والنقل والتعدين، بل وأن نجاح السعودية في توطين «صناعة الهيدروجين والمعادن» سيجعلها القطب الذي ينهي عصر القطبية الأحادية في التحكم بمسارات الطاقة العالمية. فهناك مشروع «هيليوس» لإنتاج الهيدروجين الأخضر ويمثل قمة التميز؛ حيث يتم استغلال الموقع الجغرافي (شمس ساطعة ورياح دائمة) لإنتاج وقود المستقبل وتصديره لأوروبا وآسيا، أما كلفة الإنتاج فتمتلك المملكة واحدة من أقل كلف إنتاج الطاقة الشمسية في العالم، مما يجعلها منصة مثالية للصناعات الكثيفة لاستهلاك الطاقة التي تهرب من كلف الكهرباء العالية في الغرب.
ومن ناحية المجاعة التي ضربت الأسواق العالمية بسبب نقص إمدادات الأسمدة الزراعية، تعدّ منطقة الخليج مركزاً عالمياً لصناعة الأسمدة اليوريا والنيتروجينية، والسعودية اليوم لاعب رئيسي في صناعة الأسمدة الفوسفاتية. التميز هنا هو تحويل الفوسفات الخام إلى منتج نهائي يغذي زراعات العالم، مما يمنح الرياض «دبلوماسية الغذاء».
وقفة: إن مجلس دول الخليج اليوم، يملك «سيادةً رقميةً ومالية» تفوق مساحات قارات كاملة؛ فالقوة في القرن 21 لم تعد تقاس بالكيلومترات، بل بمدى الارتباط بشبكات المصالح الدولية، وبقاء هذه الدول واستمرارها ليس رهناً بالجغرافيا وحدها، بل بمدى قدرتها على التحول من (دول ريع) إلى (دول معرفة)، وهو الرهان الذي سيكتب شهادة ميلاد جديدة للمنطقة بعيداً عن تقلبات أسعار النفط. و»الهوية الخليجية الموحدة» ستمتص في المستقبل الخلافات السياسية البينية لتشكل اتحاداً يشبه الاتحاد الأوروبي في قوته الاقتصادية؟