د. عبدالمحسن الرحيمي
في أحد التقارير الحديثة التي تناولت أثر الذكاء الاصطناعي على القدرات البشرية، أُشير إلى أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية لم يعد يقتصر على دعم القرار أو تسريع الإنجاز، بل بدأ يمتد تدريجيًا إلى استبدال عمليات ذهنية أساسية مثل التحليل والاستنتاج وإعادة الصياغة، وهو ما أعاد طرح سؤال يتجاوز التقنية ذاتها، ليمس طبيعة الإدراك الإنساني: هل ما نعيشه اليوم هو تراجع في القدرة، أم تحول في طريقة استخدامها؟
إن اختزال ما يحدث في كونه «كسلًا عقليًا» لا يعكس عمق التحول الجاري، لأن المشكلة لا تكمن في أن الإنسان لم يعد يفكر، بل في أن مسار التفكير ذاته أصبح أقصر مما ينبغي، بحيث يتم تجاوز مراحل أساسية كانت تشكل جوهر الفهم، مثل التردد المنتج، وإعادة النظر، وبناء العلاقات بين الأفكار، ليحل محلها نمط جديد يعتمد على الوصول السريع إلى النتائج دون المرور بالتجربة الكاملة التي تمنح هذه النتائج معناها.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة ما يحدث من خلال مفهوم أكثر دقة، وهو الاختزال الإدراكي، حيث لا يتم إلغاء المعرفة أو إضعاف الوصول إليها، بل يتم تقليص المسافة التي تفصل بين السؤال والإجابة إلى حد يؤدي إلى تآكل العمق، بحيث يصبح الفهم حاضرًا في صورته النهائية، وغائبًا في مساره الذي يمنحه قيمته، وهو ما يفسر المفارقة المتزايدة بين وفرة المعلومات وتراجع الإحساس بالمعنى.
ولعل أبرز ما يتأثر بهذا التحول هو الذاكرة، ليس بوصفها قدرة على التخزين، بل بوصفها عملية ديناميكية يعاد من خلالها تشكيل التجربة، حيث لم تعد الذاكرة اليوم تعتمد على التراكم الداخلي الذي يمر عبر الزمن ويخضع لإعادة التفسير، بل أصبحت مرتبطة بأنظمة خارجية توفر استرجاعًا فوريًا ودقيقًا، لكنها لا تعوض المرحلة الأهم، وهي المرحلة التي يتحول فيها ما يُعاش إلى ما يُفهم، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى انفصال بين امتلاك المعلومة والقدرة على استيعابها ضمن سياق متماسك.
ومن هنا تتشكل فجوة الإدراك، بوصفها الفارق غير المرئي بين ما يعرفه الإنسان وما يفهمه فعليًا، وهي فجوة لا تظهر في الأداء الظاهري، لكنها تنعكس بوضوح في ضعف القدرة على الربط، وفي الميل إلى التفسير السريع، وفي الاعتماد المتزايد على النتائج الجاهزة دون مساءلة المسار الذي أنتجها، وهو ما يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم بطريقة تجعل ما يمكن الوصول إليه أكثر حضورًا مما يمكن فهمه.
ولا تنفصل الهوية عن هذا التحول، لأن الهوية، في جوهرها، ليست تعريفًا ثابتًا أو مجموعة بيانات، بل بنية إدراكية تتشكل عبر تراكم المعنى الناتج عن التجربة، وعندما تتعرض هذه التجربة للاختزال، ويتراجع الزمن الذي يسمح بإعادة تفسيرها، فإن الهوية لا تختفي، بل تفقد عمقها تدريجيًا، بحيث يبقى الإنسان قادرًا على الأداء والتفاعل، لكنه أقل قدرة على إدراك ما تعنيه هذه التجربة له، وهو ما يمكن توصيفه باختزال الإنسان، أي تحوله من كائن ينتج الفهم إلى كائن يستهلكه.
إن إرجاع هذا التحول إلى التقنية وحدها يمثل قراءة ناقصة، لأن الذكاء الاصطناعي، في حد ذاته، لا يفرض نمطًا واحدًا للاستخدام، بل يفتح مساحات واسعة تتوقف نتائجها على كيفية توظيفها، غير أن الاعتماد غير المتوازن عليه يؤدي إلى تفريغ تدريجي لوظائف إدراكية أساسية، بحيث لا يتم استبدال الإنسان بالآلة، بل يتم إعادة تشكيله وفق نمط أكثر اعتمادًا وأقل عمقًا، وهو تحول لا يظهر فجأة، بل يتراكم بصمت عبر الممارسة اليومية.
وفي هذا الإطار، تبرز المدرسة السعودية للقيادة الواعية بوصفها محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين الإنسان والمعرفة، من خلال نقل التركيز من القرار إلى الإدراك الذي يسبقه، حيث تنطلق من فرضية أن جودة ما نقرره لا يمكن أن تتجاوز جودة ما نفهمه، وأن الخلل لا يبدأ عند النتيجة، بل عند الطريقة التي نرى بها المعطيات، وهو ما يفتح المجال لإعادة التفكير في كيفية التعامل مع التحولات التقنية دون الوقوع في اختزال الإنسان داخلها.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إبطاء التقدم أو مقاومة الأدوات، بل إلى تحقيق توازن إدراكي يسمح بالاستفادة من السرعة دون التضحية بالعمق، وبالوصول إلى المعلومة دون إلغاء تحليلها، وباستخدام التقنية كامتداد لقدرات الإنسان لا كبديل عنها، بحيث تبقى عملية الفهم قائمة على المرور بالتجربة، لا الاكتفاء بنتيجتها.
وفي عالم تتزايد فيه القدرة على الوصول، يصبح التحدي الحقيقي أقل ارتباطًا بما نملكه من معلومات، وأكثر ارتباطًا بما نحتفظ به من قدرة على فهمها، لأن المعرفة، حين تُختزل إلى نتائج، تفقد دورها في تشكيل الإنسان، وتتحول إلى أداة إنتاج فقط، وهو ما يجعل الحفاظ على العمق الإدراكي ضرورة لا تقل أهمية عن أي تقدم تقني.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل ستتقدم الآلة أكثر؟
بل يصبح السؤال الأهم: هل سيظل الإنسان قادرًا على أن يفهم ما يحدث حوله، أم سيكتفي بالوصول إليه دون أن يعيش معناه؟