وائل الغول
لعقود طويلة، ارتبط الأمن الغذائي المصري بالاستيراد، خاصة في سلعة إستراتيجية مثل القمح. كان هذا الاعتماد يمثل نقطة ضعف واضحة أمام تقلبات الأسواق العالمية والأزمات الجيوسياسية.
لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأت الدولة في إعادة رسم الخريطة الزراعية بجرأة من خلال جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، محولة الصحراء القاحلة إلى مساحات إنتاج واسعة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وبناء سيادة غذائية حقيقية.
في عام 2026، يواصل الجهاز - الذي أُنشئ عام 2022 - لعب دوره كمحرك رئيسي لإستراتيجية الأمن الغذائي، مع تسارع ملحوظ في التنفيذ. يركز الجهاز على الاستدامة والتكامل بين الزراعة والصناعة واللوجستيات، رغم التحديات العالمية المستمرة.
قصة القمح
كان القمح أبرز تحديات الأمن الغذائي المصري لسنوات. ومع ذلك، بدأت الصورة تتغير تدريجيًا.
في عام 2025، تراجعت كميات واردات القمح بنسبة تقارب 10 - 10.7% (حوالي 13.1 - 13.2 مليون طن)، بينما انخفضت القيمة بنسبة أكبر في بعض الفترات. ساهم ذلك في تنويع مصادر الاستيراد (روسيا الأكبر، تليها أوكرانيا ورومانيا وفرنسا)، إلى جانب زيادة الإنتاج المحلي.
ووصلت المساحة المزروعة بالقمح إلى نحو 3.5 مليون فدان، مع توقعات بإنتاج يتراوح بين 9.5 - 9.8 مليون طن في موسم 2025 / 2026.
تستهدف الحكومة المصرية توريد كميات كبيرة محليًا، وصولًا إلى هدف طموح: اكتفاء ذاتي في القمح للخبز المدعوم بحلول عام 2028. هذا التحول لم يكن مصادفة، بل نتيجة إدارة إستراتيجية لملف الاستيراد منذ عام 2024 تحت إشراف جهاز مستقبل مصر.
طفرة الصادرات
لم يقتصر النجاح على تقليل الواردات، بل امتد إلى زيادة الصادرات بشكل ملحوظ. في عام 2025، حققت مصر 9.5 مليون طن صادرات زراعية بقيمة 11.5 مليار دولار (تمثل نحو 24% من إجمالي الصادرات المصرية)، بزيادة 800 ألف طن عن العام السابق.
تتصدر الموالح - وخاصة البرتقال الذي احتل المركز الأول عالميًا للسنة السادسة على التوالي - إلى جانب البطاطس والمنتجات الطازجة والمصنعة. يغطي التصدير حاليًا أكثر من 167 دولة بأكثر من 405 منتجات زراعية. هذا الارتفاع يعكس تحول مصر تدريجيًا من دولة تعتمد على الاستيراد إلى فاعل مؤثر في سوق الغذاء الإقليمي والدولي، مدعومًا بجهود جهاز مستقبل مصر.
الدلتا الجديدة
يمثل مشروع الدلتا الجديدة (2.2 مليون فدان) محور هذا التحول الكبير. وفي مايو 2026، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مراحل كبرى من المشروع، الذي بلغت تكلفة بنيته التحتية حوالي 15 مليار دولار (800 مليار جنيه).
حتى الآن، تجاوزت المساحات المستصلحة والجاري زراعتها 350 - 400 ألف فدان. يأتي هذا المشروع ضمن خطة أوسع تشمل مشاريع الداخلة والعوينات وسيناء والمنيا وبني سويف.
الهدف الكلي هو استصلاح 4.5 مليون فدان جديدة بحلول عام 2027، مما يعيد توزيع الإنتاج الزراعي خارج وادي النيل بشكل غير مسبوق في التاريخ المصري الحديث.
بناء منظومة مستدامة
لا يقتصر الأمر على التوسع في المساحات، بل يمتد إلى رفع الكفاءة. يعتمد المشروع على الري المحوري الحديث، استخدام المياه المعالجة، والزراعة الذكية لرفع إنتاجية الفدان وتقليل الهدر. ويجري إنشاء صوامع تخزين ضخمة ومجمعات تبريد وطرق ومحطات كهرباء ومحطات معالجة مياه عملاقة، ليصبح المشروع منظومة إنتاج متكاملة تشمل الزراعة والتصنيع واللوجستيات.
الأثر الاقتصادي والمستقبلي
ينعكس هذا التكامل في خلق قيمة مضافة من خلال مصانع الأعلاف والتصنيع الغذائي.
ساهم المشروع في استبدال واردات بمليارات الدولارات، وزيادة الصادرات، وخلق عشرات الآلاف من الوظائف المباشرة، مع تأثيرات أوسع على سلاسل النقل والتصنيع والخدمات.
كما توجد خطط لطرح شركات تابعة للجهاز في البورصة لجذب استثمارات القطاع الخاص.
الحقيقة أن الاتجاه العام حتى 2026 - 2027 يشير إلى تقليل الفجوة الاستيرادية تدريجيًا، وتعزيز الاكتفاء في المنتجات الحيوانية، وتصدير الفائض. وبهذا، تتحول الصحراء من منطقة قاحلة إلى أصل اقتصادي استثماري منتج.
تحول هيكلي
يمثل جهاز مستقبل مصر تحولاً هيكليًا في فلسفة إدارة ملف الغذاء: من الاستيراد إلى الإنتاج المتكامل، ومن الزراعة التقليدية إلى منظومة صناعية - زراعية مستدامة.
التقدم في 2025-2026 حقيقي وملموس، خاصة في الصادرات والدلتا الجديدة. لكن تحقيق الاكتفاء الكامل لا يزال يحتاج إلى سنوات إضافية، بسبب النمو السكاني السريع والتحديات المائية.
في النهاية، المعركة ليست فقط في توفير الغذاء، بل في من يملك مفاتيح إنتاجه من الأساس. وهذا بالضبط ما يبنيه جهاز مستقبل مصر خطوة بخطوة.