د. رانيا القرعاوي
تصدرت صور العديد من الحجاج وسائل الإعلام ومنصات التواصل، سواء وهم يؤدون فريضة الحج، أو ورجال الأمن يلطفون عليهم أجواء الحج الشاقة، ورغم وجود آلاف الصور التي تصدرت التغطيات الإعلامية في الحج، لكنها لم تكن القصة الأكبر في موسم الحج. فخلف هذه اللحظة الإنسانية كانت هناك منظومة عمل متكاملة، فيوجد أكثر من 1.7 مليون حاج من 165 جنسية مختلفة، وأكثر من 441 ألف شخص يعملون لخدمتهم، ونحو 27 ألف متطوع يشاركون في تسهيل رحلتهم، وما يقارب 389 ألف حاج استفادوا من مبادرة طريق مكة قبل وصولهم إلى الأراضي المقدسة.
هذه الأرقام تحكي قصة واحدة من أعقد العمليات التشغيلية في العالم، وعندما ننظر إلى طريقة تناول الإعلام العالمي للأحداث الكبرى، نجد أن القصة لا تتوقف عند الحضور أو المشاعر الإنسانية. ففي الألعاب الأولمبية، على سبيل المثال، تتحول إدارة الحشود والنقل والأمن والتقنية إلى موضوعات إعلامية قائمة بذاتها. وتُخصص المؤسسات الإعلامية تقارير مطولة تشرح كيف استضافت المدينة ملايين الزوار، وكيف أُديرت حركة التنقل، وما الدروس التي يمكن أن تستفيد منها مدن أخرى حول العالم. أما في الحج، فرغم أن المملكة تدير سنويًا واحدًا من أكبر التجمعات البشرية المنظمة على وجه الأرض، فإن جانبًا كبيرًا من تغطياتنا الإعلامية لا يزال يدور في فلك الأخبار اليومية والتصريحات الرسمية والقصص الإنسانية الفردية.
برأيي فإن هذه المعالجات الإعلامية جيدة، لكنها لا تكفي، فما زال ينقصنا الانتقال من إعلام يصف الحدث إلى إعلام يفسره. من إعلام ينقل المشهد إلى إعلام يشرح ما وراء المشهد. كيف تُدار حركة أكثر من 1.7 مليون إنسان خلال أيام معدودة وفي نطاق جغرافي محدود؟ كيف تُنسق أعمال مئات الآلاف من العاملين والمتطوعين؟ كيف تُبنى الرسائل التوعوية لتصل إلى عشرات الثقافات واللغات المختلفة؟ وكيف تُستخدم البيانات والتقنيات الحديثة للتنبؤ بالحركة وإدارة الحشود وتعزيز السلامة؟
هذه ليست أسئلة تشغيلية فقط، بل قصص إعلامية عالمية نتطلع إلى سماعها وانتشارها. في كل عام ننجح في إظهار مشاعر الحجاج، لكننا أقل نجاحًا في إظهار المعرفة والخبرة والتخطيط والابتكار التي تقف خلف تلك المشاعر. نُبرز دموع الفرح عند الوصول، لكننا لا نروي بما يكفي قصة المنظومة التي جعلت الوصول ممكنًا أصلًا.
وهنا تكمن فرصة الإعلام السنع، فالحج ليس فقط قصة إيمانية عظيمة، بل قصة سعودية عالمية في الإدارة والاتصال والتقنية والخدمات اللوجستية. وهي قصة تستحق أن تُروى بلغة الأرقام والتحليل والدروس المستفادة، لا بلغة الخبر العابر وحده. الإعلام السنع لا يكتفي بإخبار الناس أن موسم الحج نجح، فالجميع يرى ذلك بأعينهم. الإعلام السنع يشرح لماذا نجح، وكيف نجح، وما الذي يمكن أن يتعلمه العالم من هذا النجاح.
فالقصة الحقيقية ليست في دموع الحاج عندما يصل إلى وجهته، بل في الرحلة الكاملة التي جعلت تلك الرحلة تنتهي بيسر وسهولة.