د. محمد بن عبدالله آل عمرو
في السنوات الأخيرة بدأت كثير من الأنظمة التعليمية حول العالم تُراجع اندفاعها نحو «الرقمنة الشاملة» داخل الفصول الدراسية، بعد أن ظهرت نتائج علمية متزايدة تشير إلى أن الإفراط في الاعتماد على الشاشات ولوحات المفاتيح قد يأتي على حساب مهارات أساسية في التعلم، وفي مقدمتها: التركيز، والذاكرة، والقدرة على الفهم العميق، والكتابة التعبيرية.
ولعل التجربة الفنلندية الحديثة تمثل مثالًا بارزًا على هذا التحول؛ إذ بدأت بعض المدارس في فنلندا العودة إلى الكتب الورقية والكتابة بالقلم بعد سنوات من التوسع الكبير في التعليم الرقمي.
وقد نشرت وكالة رويترز في 10 سبتمبر 2024 تقريرًا بعنوان: «Books in, screens out»، أو «عودة الكتب وخروج الشاشات»، تناول تجربة مدينة «ريهيماكي» الفنلندية التي أعادت الكتب الورقية إلى الطلاب بعد سنوات من الاعتماد على الحواسيب المحمولة داخل الصفوف الدراسية. وأوضح التقرير أن معلمين وأولياء أمور لاحظوا تراجع التركيز وازدياد التشتت لدى الطلاب بسبب الاستخدام المكثف للأجهزة الرقمية، حتى إن بعض الطلاب - كما نقل التقرير - كانوا ينجزون التمارين بسرعة فقط ليعودوا إلى الألعاب أو وسائل التواصل الاجتماعي.
ولم يكن هذا التحول الفنلندي قائمًا على الانطباعات وحدها، كما قد يدفع به مناصرو رقمنة التعليم، بل جاء متسقًا مع موجة واسعة من الدراسات العصبية والتربوية التي تؤكد أن الكتابة باليد ليست مجرد وسيلة تقليدية لتدوين الكلمات، بل عملية ذهنية معقدة تُنشّط الدماغ بطرق تختلف جذريًا عن الضغط على أزرار لوحة المفاتيح.
ففي كتابه الشهير «The Reading Brain in the Digital World» يؤكد عالم الأعصاب الفرنسي ستانيسلاس ديهان (Stanislas Dehaene) أن الكتابة اليدوية تساعد الدماغ على بناء روابط عصبية أعمق ترتبط بالتذكر والتعلم واكتساب اللغة، وأن حركة اليد الدقيقة أثناء تشكيل الحروف تُحفّز مناطق متعددة في الدماغ مرتبطة بالإدراك والانتباه والتخزين المعرفي.
كما أظهرت أبحاث البروفيسورة الأمريكية فرجينيا برنجر (Virginia Berninger) من جامعة واشنطن حول أثر الكتابة اليدوية على نشاط الدماغ والتعلم أن الأطفال الذين يكتبون باليد يُظهرون نشاطًا دماغيًا أعلى في مناطق التفكير واللغة مقارنة بمن يكتبون عبر لوحة المفاتيح، وأن الكتابة اليدوية ترتبط بتحسن القدرة على تكوين الأفكار وصياغة الجمل والتعبير الكتابي.
وفي دراسة شهيرة أجرتها الباحثتان بام مولر (Pam Mueller) ودانيال أوبنهايمر (Daniel Oppenheimer) ونُشرت عام 2014 في مجلة «Psychological Science»، تبين أن الطلاب الذين يدونون ملاحظاتهم باليد يحققون فهمًا أعمق للمحتوى مقارنة بمن يستخدمون الحواسيب المحمولة.
وفسر الباحثان ذلك بأن الكتابة بالقلم تُجبر الطالب على إعادة صياغة المعلومات وفهمها، بينما تميل الكتابة السريعة على لوحة المفاتيح إلى النقل الحرفي السطحي للمعلومات دون معالجة ذهنية عميقة.
ولم تعد المسألة مرتبطة فقط بالتحصيل الدراسي، بل امتدت إلى الصحة النفسية والانتباه. حيث تشير تقارير تربوية أوروبية إلى تزايد القلق من أثر الشاشات الطويل على الأطفال والمراهقين، خاصة مع تراجع القدرة على التركيز لفترات ممتدة. ولهذا أعلنت فنلندا كذلك عن توجهات للحد من استخدام الهواتف الذكية داخل المدارس أثناء الحصص الدراسية.
ومن اللافت أن هذا التحول لا يعني رفض التقنية أو العودة الكاملة إلى الماضي، ففنلندا ما تزال من أكثر دول العالم تقدمًا رقميًا، لكنها بدأت تتجه إلى ما يمكن تسميته «الرقمنة المنضبطة»، أي استخدام التقنية عندما تكون أداة حقيقية للتعلم، لا مجرد بديل دائم للكتاب والقلم. وتؤكد منظمة اليونسكو في إرشاداتها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتعليم (2021) أن إدخال التكنولوجيا إلى التعليم ينبغي أن يكون خاضعًا لاعتبارات تربوية وعلمية دقيقة، لا مجرد استجابة للموضة التقنية أو التسويق التجاري.
إن القضية الجوهرية التي تكشفها هذه الأبحاث والتجارب ليست صراعًا بين «الورق» و«الشاشة»، ولكنها ما يثير سؤالًا أعمق يتعلق بكيفية عمل الدماغ البشري نفسه. فالإنسان لا يتعلم بالسرعة وحدها، ولا بكثرة الأجهزة، بل بالتفاعل الذهني العميق، والتأمل، والتدرج، والممارسة الحسية المباشرة.
ولذلك فالكتابة باليد -رغم بساطتها- ما تزال واحدة من أكثر الأدوات قدرة على تحفيز هذا النوع من التعلم.
ولعل من الحكمة ألا تنجرف الأنظمة التعليمية وراء التحول الرقمي الكامل دون توازن، لأن التقنية حين تتحول من وسيلة مساعدة إلى بديل شامل قد تُفقد التعليم بعض أهم وظائفه العقلية والإنسانية. وقد يكون من المفارقات أن تعود بعض أكثر الدول تقدمًا تقنيًا اليوم لتذكّر العالم بأن القلم والكتاب لم يفقدا قيمتهما بعد.