د. أحمد محمود الخضري
شَكَّلَت المَدَافِع -تلك الآلة المعهودة للحرب التي تُدْفَع أو تُرْمَي بها القَذَائِف- عبر التاريخ العمود الفِقْرِيّ للجيوش، واستحقَّت لقب (ملكة المعارك)؛ لدورها الحاسم في تغيير موازين القوى وتدمير تحصينات الأعداء من مسافات بعيدة، وما زالت هذا الآلة الحربية -مع تطورها المستمر- تؤدي دورًا مهمًّا وفَعَّالًا في ساحات وميادين المعارك والحروب، بوصفها القوة النارِيَّة الضَّاربة الأساسية للقوات المسلحة.
والمِدْفَع -بكسر الميم- اسم آلة على زنة ( مِفْعَل )، لفظ عربيُّ محض يرجع في أصل اشتقاقه إلى الجذر اللغوي (د ف ع) وقد وقف ابن فارس في مقاييسه [2/ 288] على الدلالة الأصلية لهذا الجذر ونَصَّ على أنها: تَنْحِيَة الشيء أي: إبعاده وإزالته بقوة، فقال: «الدالُ والفاءُ والعينُ أصلٌ واحدٌ مشهور يدلُّ على تَنْحِية الشيء» ويجمع المِدْفَع على مَدَافِع.
ويذكر بطرس البستاني أنَّ العَامة تفتح ميم المِدفَع فيقولون المَدْفَع -بالفتح- [محيط المحيط، ص 285] والصوابُ فيه كسر الميم؛ لأن من أوزان اسم الآلة مِفْعَل لا مَفْعَل. وبمطالعة بعض المعجمات اللغوية التراثية والنظر فيها للوقوف على دلالة هذه الكلمة لاحظت ترددها بين معنيين ليس من بينها المعنى العسكري الذي عهدناه لها وهما: الدَّفُوع، أي: شديد الدَّفْع، ومن الأركان: الشديدُ القويُّ [ديوان الأدب 1/ 298، والمحكم 2/ 23]
أما المِدْفَع بوصفه آلة الحرب المعروفة التي تُدْفَع أو تُرْمَي بها القذائف، ويستخدمها العسكريون في الحروب، فقد خلت من ذكرها المعجمات اللغوية التراثية فلم يؤثر مجيء تلك الدلالة فيما تَرَكَهُ له اللغويون القدامى من مصنفات معجمية، بالرغم من ورودها وذكرها في بعض المصادر التاريخية التي دونت في العصر المملوكي والذي يمتد من سنة 648هـ وحتى 923هـ وكذا العصر العثماني والذي يبدأ بنهاية حكم المماليك وقيام الدولة العثمانية سنة 923هـ وحتى بداية العصر الحديث سنة 1220هـ على وجه التقريب.
ومن أمثلة ورودها بين طيات بعض المصنفات التاريخية:
- قَالَ ابن خلدون (ت 808هـ) في تاريخه[10/ 666] يَحْكِي حِصَارَ الأَمِيرِ تَيْمُورَ لِقَلْعَةِ دِمَشْقَ: «وَشَرَعَ هُوَ فِي حِصَارِ القَلْعَةِ، وَنَصَبَ الآلَاتِ لِذَلِكَ، مِنَ المَجَانِيقِ، وَالعَرَّادَاتِ لِلْحِجَارَةِ، وَالمَدَافِعِ لِنَفْطِ النَّارِ، وَسَلَّطَ عَلَى جُدْرَانِهَا أَيْدِيَ النَّقْبِ، وَأَحَاطَ بِذَلِكَ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ»
- وقال ابن حجي (ت 816هـ) في تاريخه [2/ 1007]: «ويوم الأربعاء حادي عشره وقع القتال أيضًا في الناحية الشرقية، والأمير نوروز مجدٌ في القتال وإزالة الذين على باب توما، ويرمون بالمدافع وأخربت الطاحون التي هناك وتلك الحوانيت».
- وقال عبد الملك العصامي المكي (ت 1111هـ) في معرض حديثه عن فتح مصر على يد السلطان العثماني سليم الأول:
«وَسَار السُّلْطَان سليم حَتَّى نزل ببركة الْحَج وتهيأ مِنْهَا لفتح قلعة مصر وَأخذ الْبِلَاد.. فَجمع طومان باي المدافع الْكَثِيرَة وأخرجها للريدانية وقررها فِي الأَرْض وَأرْسل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَطلب من يضْرب بالمدافع.. واستمرت مدافع الشراكسة مركوزة لمن يَأْتِي من أَمَام الريدانية بِلَا نفع وَلَا دفع وبادرهم برمي المدافع والبنادق واستقبلته خُيُول الْجند وفرسانها والتحم الْحَرْب وحمي الْوَطِيس حَتَّى أظلمت الدُّنْيَا». [سمط النجوم العوالي 4/ 66].
فمع هذه الشواهد التاريخية السياقية المبثوثة في تضاعيف هذه المؤلفات التاريخية وغيرها، والتي تشهد بصدق استعمال لفظ المدفع بتلك الدلالة الحربية في هذين العصرين إلا أن المعجمات اللغوية التي دُوِّنت في العصرين المملوكي والعثماني مثل: لسان العرب لابن منظور (ت711هـ) والمصباح المنير للفيومي (ت 770هـ) والقاموس المحيط للفيرزآبادي (ت 817هـ) والطراز الأول لابن معصوم المدني (ت 1119هـ) وتاج العروس للزَّبِيدي (ت 1205هـ).. وغيرها، قد أهملت تلك الدلالة العسكرية للفظ المِدفَع فلم تذكرها، وأغفلتها، ولم تثبتها ضمن دلالات لفظ المِدْفَع، بالرغم من ورودها وترددها في بعض المصادر التاريخية التي أُلِّفَت في هذين العصرين، فهي من الدلالات التي ذكرتها كتب التاريخ وأهملتها المعجمات اللغوية التراثية.
ولعل هذا الإهمال المعجمي من قبل اللغويين القدامى لهذا المدلول العسكري وغيره يُعْزَى إلى أسباب متعددة ومنها:
طبيعة المنهج المعجمي القائم على السماع والاحتجاج، وتركيز أصحاب المعجمات على الفصيح الشائع، وتبني أكثرهم معيار التنقية اللغوية، فأعرضوا عن الألفاظ المولدة صيغة ودلالة وكذا الأعجمية وإن شاع استعمالها العسكري، وعدوا التطور الدلالي الذي يعتري بعض الألفاظ لونا من ألوان اللحن، فضلا عن محدودية المعرفة التقنية العسكرية لدى بعض المعجميين، والاعتماد على الشواهد القرآنية والحديثية والأدبية شعرا ونثرا، وإغفال النصوص التاريخية فلم يعتمدوا على كتب التاريخ والمغازي والفتوح.. ونحوها.
وفي ضوء هذه الشواهد التاريخية الدالة على استعمال لفظ المِدْفَع بهذا المدلول العسكري منذ العصر المملوكي، تبرز أهمية النصوص التاريخية في استكمال العمل المعجمي.
ويعد بطرس البستاني -فيما أعلم- أول مُعْجَمي في العصر الحديث قد صَرَّحَ بذكر الدلالة العسكرية لمصطلح المِدْفع في معجمه محيط المحيط [ص 285] فَعَرَّفَهُ بقوله: آلة حربية تَقْذِف الكتل الحديدية على الأبراج كما يقذفها المنجنيق، فتهدم ما أصابتهُ منها.
كما عَرَّفَه د/ حسن ظاظا قائلا: «المِدْفَع هو آلة الحرب التي تَدْفَع القذيفة بعيدا بقوة انفجار البارود أو غيره من المتفجرات». [اللسان والإنسان، ص99].
ولعل السبب في تسمية تلك الآلة بالمِدْفَع يرجع إلى: وظيفتها أو العمل الذي تقوم به وهو: دَفْعُ القذائفِ ورميها على الأعداء فتحدث خسائر في الأفراد، والمعدات والمنشآت.
** **
- عضو هيئة تدريس بجامعة الأزهر