د.عبدالله بن موسى الطاير
تدوينة للباحث المتألق الدكتور هشام الغنام حول حفظ ماء الوجه في العلاقات الدولية دفعتني إلى التوسع فيما أسميته دبلوماسية الكرامة، حيث يعلق في الذاكرة القريبة عدد من الأحداث المفصلية التي لم يدر فيها ماء الوجه بحصافة، فكانت النتائج كارثية. يحضرني صدام حسين، حين عرض عليه الشيخ زايد، مخرجا عام 2003م، لكن كرامته أبت عليه إلا أن يدمّر العراق. وكذلك كان الحال مع ياسر عرفات في منتجع كامب ديفيد، في أواخر عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. وفعل ناصر ذلك في حرب اليمن، بل إن كثيرا من الحروب التي خاضتها دول المواجهة العربية ضد إسرائيل لم تكن، سوى حروب عاطفية ضيعت المزيد من الأرض.
تسعى الدول في حساباتها الباردة وراء مصالحها لا وراء مشاعرها، فالقوة، والأمن، والمكاسب الاقتصادية هي العملات المعتمدة في فن الحكم. بيد أن رفض الصفقات المنطقية، خشية ما يفهم بأنه استسلام، يعني أن دوافع القرار لم تعد عقلانية خالصة، بل عاطفية. لا شك أن حفظ ماء الوجه يصون هيبة الدولة وقيادتها السياسية وسمعتهما الدولية، وهذا ليس هامشا في الدبلوماسية، بل يقع في قلبها، والسؤال ليس عن أهمية الكرامة، بل ما إذا كان السياسيون مستعدين للتضحية بجزء منها لإنقاذ مكتسبات أوطانهم.
الهيبة، بحد ذاتها، عنصر من عناصر القوة، والسياسي الذي يظهر بصفة المستسلم يخاطر بشرعيته الداخلية، فالسمعة، في هذا السياق، رأس مال إستراتيجي. لكن حفظ ماء الوجه لا يمكن اختزاله في مجرد مصلحة مادية، فعندما ترفض حكومة ما الحلول الوسط خشية أن تبدو مستسلمة، فإنها تضحي بالجوهر من أجل الرمز وتسقط في فجوة بين ما يخدم الأمة وما يحمي صورتها. كم من كرامة شخصية معاندة دمرت دولا يزعم السياسيون الدفاع عن سمعتها، وعندما يربط القائد مصير الدولة بغروره، يصبح كل تنازل قدحا في ذاته، وترتهن المصلحة العامة للكبرياء الشخصي.
إنما تطول الحروب ويتوسع الدمار بسبب تفسير الانسحاب على أنه استسلام، ويعضّ الساسة على السياسات الكارثية بالنواجذ لأن التراجع عنها يعني الاعتراف بالخطأ وتحمّل تبعاته. فحرب فيتنام امتدت سنوات طويلة بسبب خشية الساسة الأمريكيين على سمعتهم من تداعيات الهزيمة؛ ولذلك عُدّ الانسحاب أكثر خطرا على المصداقية من استمرار القتل. ربما نجا القادة من الإذلال العلني، إلا أن عشرات الآلاف من الأرواح أُزهقت لأن الكرامة تحولت إلى وحش يلتهم الشعب الذي تزعم حمايته.
خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962م، وافق السوفييت علنا على سحب الصواريخ من كوبا، وفي المقابل تعهدت أمريكا على الملأ بعدم غزو الجزيرة، مما سمح لكينيدي بادعاء النصر، لأنه أرغم السوفييت على التراجع، وطمأن خروتشوف شعبه بضمان أمن كوبا من أي هجوم أمريكي. أما الجزء الذي توارى طويلا عن أعين الإعلام فكان صفقة صواريخ جوبيتر، إذ تعهد كينيدي بسحبها من تركيا. كان التكتم على الصفقة ضروريا لتجنب إثارة قلق حلفاء أمريكا في الناتو، وتجنبا لفهمها على أنها استسلام أمريكي للسوفييت. وهكذا حصل كل طرف على مكسب ملموس، وكانت السرية هي الآلية التي حفظت ماء وجه الزعيمين.
الكرامة في السياسة يجب أن تُبذل في الوقت المناسب، لأن تكديسها خطر غير محسوب العواقب. فالقائد الذي يتعصب لهيبته سيكون عليه الاختيار بين نفسه ووطنه؛ ومن يختار نفسه، وهم كثير، قد يفقد الوطن والنفس معا. التنازل قد يحقق منفعة أكبر من تخزين الكرامة، والاستعداد لتحمّل خسارة رمزية عوضا عن ادعاء النصر هو الشجاعة السياسية بعينها، ودور المفاوضين المحترفين هو صناعة مخارج تحفظ ماء الوجه، كصيغ غامضة، وتنازلات غير متكافئة، وترتيبات تسمح للخصوم بالتراجع دون أن يبدو ذلك استسلاما. والحقيقة التي أثبتتها الأحداث أن تضحية متواضعة بالكبرياء قد تضمن سلاما وازدهارا مستدامين.
لطالما همّشت نظرية العلاقات الدولية العاطفة لصالح العقلانية، ومع ذلك، فإن مشاعر الإذلال، والاستياء، والتوق إلى الاحترام، حرّكت سلوك القادة عبر التاريخ. فالشروط العقابية التي أرغمت عليها ألمانيا بعد عام 1919م أنتجت تذمرا استغله الشعبويون للسيطرة على القرار، والسير بسرعة في طريق الحرب العالمية الثانية. الدول، كالأفراد، تحفظ ذكريات الإهانات؛ ولذلك فإن حفظ ماء الوجه متداخل مع العاطفة الجماعية، والقائد، من الناحية المثالية، لا يحمي ماء وجهه بدافع الغرور والعناد الشخصي، وإنما لأن الفخر الوطني وقود سياسي قابل للاشتعال. المشكلة تكمن في سوء إدارة الكرامة الذي يؤدي إلى الانتحار السياسي والوطني، والحقيقة أن مأساة الدول ليست في كبرياء قادتها فحسب، بل في ندرة من يتنازلون عن جزء ضئيل منه في سبيل المصلحة العامة.
في عصرنا، والشواهد حية، تزداد ضغوط التهديد بالقوة واستعراضها أكثر من أي وقت مضى، ويضيق هامش التراجع المهذب أمام المد الشعبوي. ولعل إعادة بناء هذا الهامش، أي ابتكار مخارج تسمح بالانسحاب بكرامة، هي المهارة الأقل تقديرا اليوم. الحق أن القائد الذي يُبدي بعض التنازل قد يجنّب أمته الانهيار التام.