د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
تعد بريطانيا أول قوة من مجموعة السبع تخترق السوق الخليجية الموحدة بامتيازات غير مسبوقة، بعد أربعة أعوام من المفاوضات، كانت تلك رحلة تطلبت قدرا كبيرا من الصبر والعزيمة، إيمانا مشتركا بالإمكانات الهائلة التي تنطوي عليها تلك الشراكة، وهي اتفاقية تجارية حرة تاريخية وشاملة أكثر من مجرد صفقة تقليدية، تم التوقيع عليها في 20/5/2026، بل كانت إعادة تموضع إستراتيجي متكامل، باعتبار الكتلة الخليجية إحدى أهم القوى الاقتصادية الناشئة والقيادية على الساحة الدولية، لمواجهة بيئة دولية وإقليمية تفتقر لليقين، فيما تبرهن هذه الاتفاقية على أن بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي شريكان موثوقان في ظل التقلبات الدولية وحالة عدم اليقين التجاري، تعزز المكانة الإستراتيجية للجانبين على الساحة الدولية.
هذه الشراكة لا تقف عند حدود التبادل التجاري التقليدي، بل تؤسس لنموذج اقتصادي جديد عنوانه الاستثمار المقابل لنقل المعرفة، لدعم خطط التحول الهيكلي الإقليمية الذي يفك الارتباط التاريخي بالنفط الخام كسلعة وحيدة للتبادل، لكن هذه الشراكة تمنح بريطانيا أسبقية بوصفها أول دولة من مجموعة السبع تنجح في صياغة اتفاق تجاري شامل مع مجلس التعاون الخليجي الذي يصل ناتجها إلى نحو 2.39 تريليون دولار مصحوبا بقدرة استيرادية هائلة تقدر بنحو 1.04 تريليون دولار، وسط توقعات بتضاعف حجم هذا السوق فعليا بحلول 2050 تماشيا مع برامج التحول الوطني.
تعد السعودية من أكبر الشركاء التجاريين لبريطانيا في المنطقة، وهذه الاتفاقية تتماشى مع الرؤية السعودية 2030 وإستراتيجية بريطانيا الصناعية الحديثة، وهناك أكثر من 1700 شركة تعمل حاليا في السعودية، وأن حوالي 50 شركة تتخذها مركزا إقليميا لمقراتها، وستتركز الشراكة بشكل أكبر في الطاقة النظيفة والخدمات المالية والتصنيع المتقدم.
ستنعكس إعفاءات على قطاعات التصنيع المتقدم البريطانية، وستعفى فورا محركات الطائرات التوربينية وأجزاء الفضاء التي تواجه حاليا رسوم 5 % إلى جانب قطاعات الآلات والإلكترونيات مع إلغاء رسوم مباشرة عن 90 % من الصادرات الحالية للسيارات البريطانية بما فيها الهجينة، وكذلك السيارات الكهربائية وبطارياتها لمدة 10 سنوات لتأمين سلاسل التوريد، وتحقيق مستهدفات الحياد الصفري، وتعامل قطاعات خدمات عديدة على قدم المساواة مع نظيراتها المحلية الخليجية.
كذلك تفتح آفاقا جديدة في مجالات حيوية خصوصا فيما يتعلق بالاقتصاد الرقمي، تمكن الاتفاقية الشركات البريطانية من تخزين البيانات، كما يلزم الجانبين بالتعاون في التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، وذلك يخلق فرصا تمكن قطاع التكنولوجيا أن يلعب دورا مهما في التحول الرقمي الذي تشهده المنطقة.
تتضمن الاتفاقية حماية رأس المال وتعزيز ثقة المستثمرين، بهدف ترسيخ مكانة بريطانيا بوصفها وجهة رئيسة أولى لتدفقات رؤوس الأموال وصناديق الثروة السيادية الخليجية الأربعة التي تدير أصولا تتجاوز قيمتها 3.8 تريليون دولار، لتفتح فصلا جديدا من الازدهار الاقتصادي المشترك، لأن الاتفاقية يضفي عليها قوة استثنائية هي طبيعة اقتصادات الجانبين المكملة بعضها لبعض، فخبرة بريطانيا العالمية في قطاع الخدمات تتوافق مع طموحات وأهداف دول مجلس التعاون الخليجي في تنويع اقتصاداتها، حيث بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر بين الجانبين ما يقارب نصف تريليون جنيه إسترليني بنهاية 2023.
وبموجب الاتفاقية ألغيت الرسوم الجمركية على أكثر من 99 % من الصادرات الخليجية إلى بريطانيا، منها البتروكيماويات التي تشكل الركيزة الأساسية لصادرات دول الخليج، والمعادن والصناعات التحويلية وعلى رأسها الألمنيوم ومنتجات الحديد، إلى جانب الأسمدة الموجهة للأسواق العالمية، بل تفتح آفاقا أوسع أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة للتوسع في السوق البريطانية يجعلها تكتسب القدرة التنافسية.
حيث تمثل هذه الشراكة خطوة إستراتيجية لدول الخليج لتنويع مصادر الدخل وزيادة نفاذ منتجاتها الوطنية إلى أسواق بريطانيا كبوابة إلى أوروبا رغم أنها خرجت من الاتحاد الأوروبي، حيث تمثل هذه الاتفاقية محطة إستراتيجية بارزة لتعزيز النمو الاقتصادي الخليجي، وبمثابة نموذج لاتفاقيات مقبلة.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا