وائل العتيبي - الرياض:
بعد اكتمال أعمال إعادة تأهيل أروقته التاريخية بدعم من مركز «سرد» الثقافي، يستعد النادي الأدبي بالرياض لانطلاقة جديدة بحلّة ثقافية متجددة، تعيد لهذا الصرح العريق حضوره بوصفه أحد أهم المنابر الأدبية والثقافية في المملكة، وتفتح أمامه مرحلة جديدة أكثر حيوية وانفتاحًا على الفنون والإبداع والمعرفة.
وتأتي هذه الخطوة ضمن شراكة استراتيجية أبرمها النادي الأدبي بالرياض، ممثلًا برئيس مجلس إدارته الدكتور صالح بن عبدالعزيز المحمود، مع مركز «سرد» الثقافي الذي يمثله رئيسه عبدالله صالح الحضيف، بهدف تشغيل النادي وإحيائه، وتعزيز مكانته فضاءً ثقافيًا نابضًا بالحياة يحتضن الأدباء والفنانين والمثقفين وصنّاع الإبداع.
ولا تقتصر الشراكة على إعادة تأهيل المرافق فحسب، بل تمتد لتشمل تطوير الهوية البصرية للنادي، وتنظيم الفعاليات الثقافية والفنية، واستثمار مرافقه بما يواكب مكانته التاريخية، ويعيد تقديمه للأجيال الجديدة بوصفه مركزًا ثقافيًا معاصرًا يجمع بين الفكر والفن والذاكرة الثقافية السعودية.
ويُعد مركز «سرد» الثقافي من أبرز المراكز الثقافية والفنية في المملكة، حيث نجح في بناء مجتمع إبداعي متكامل يجمع بين الأدباء والموسيقيين والفنانين وصناع السينما، عبر بيئة ثقافية حديثة تدعم السينما المستقلة، والمعارض الفنية، ومدارس الموسيقى، والمبادرات الإبداعية الشابة.
وتسعى هذه الشراكة إلى إثراء المشهد الثقافي في العاصمة الرياض، وإطلاق العنان للطاقات الإبداعية، وتحويل النادي الأدبي إلى مركز ثقافي حيّ يستوعب التحولات الجديدة في الثقافة السعودية، مع الحفاظ على الإرث التاريخي الذي شكّل جزءًا مهمًا من ذاكرة الأدب السعودي لعقود طويلة.
ويحمل النادي الأدبي بالرياض تاريخًا عريقًا يمتد إلى عام 1395هـ (1975م)، حين تأسس بوصفه أحد أوائل المؤسسات الثقافية والأدبية في المملكة، عقب اجتماع جمع نخبة من الأدباء والمثقفين بدعوة من الأمير فيصل بن فهد، حيث اقترح الأديب عزيز ضياء فكرة إنشاء الأندية الأدبية، فيما تولّى الشيخ عبدالله بن خميس رئاسة أول مجلس إدارة للنادي.
ومنذ تأسيسه، لعب النادي دورًا محوريًا في تشكيل الحركة الأدبية السعودية، وتعاقبت على إدارته أسماء ثقافية بارزة قدّمت إسهامات كبيرة للساحة الفكرية، من بينهم الشيخ عبدالله بن خميس، والدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيّع، والدكتور عبدالله الحيدري، إلى جانب العديد من المثقفين الذين أسهموا في ترسيخ مكانته الثقافية.
وعلى مدى ما يقارب خمسة عقود، واصل النادي حضوره الفاعل عبر تنظيم الأمسيات الشعرية، والندوات الفكرية، والمحاضرات، والملتقيات الثقافية، إلى جانب إصداره مئات الكتب والدواوين والمجموعات القصصية والدراسات النقدية التي أسهمت في توثيق الأدب السعودي ونشره.
كما عُرف النادي بخطواته السبّاقة في المجال المسرحي، حيث قدّم منذ أوائل الثمانينيات عروضًا مسرحية جماهيرية اتسمت بالطابع الاجتماعي والفكري الجاد، في تجربة عكست انفتاحه المبكر على الفنون بوصفها جزءًا من المشهد الثقافي المتكامل.
وخلال مسيرته الطويلة، استضاف النادي أسماء بارزة من السعودية والعالم العربي، من بينهم حسن ظاظا، وشكري عيّاد، وحسين مؤنس، وعزيز ضياء، وعبدالعزيز الرفاعي، ومحمد الغزالي، وعبدالله الغذّامي، وسعيد يقطين، وقاسم حدّاد، وإبراهيم نصر الله، وجمال الغيطاني، وغيرهم من الأسماء التي شكّلت حضورًا مؤثرًا في برامجه ومنابره الثقافية.
كما حرصت إدارات النادي المتعاقبة على تنويع برامجه وأنشطته بين المحاضرات والندوات والدورات والمعارض وتوقيع الإصدارات الجديدة، إلى جانب إطلاق المسابقات والجوائز الثقافية التي هدفت إلى اكتشاف المواهب الشابة ودعم الكفاءات الأدبية الجديدة.
ومع هذه الانطلاقة الجديدة، تبدو الشراكة بين النادي الأدبي بالرياض ومركز «سرد» الثقافي بوصفها مشروعًا ثقافيًا يتجاوز حدود الترميم والتشغيل، إلى إعادة بعث مؤسسة ثقافية عريقة بروح معاصرة، تجمع بين أصالة التاريخ وطموح المستقبل، في مشهد يعكس الحراك الثقافي المتنامي الذي تعيشه المملكة اليوم.