عمرو أبوالعطا
يعد الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة قامة فنية استثنائية، تجاوزت أعماله حدود التصوير البصري لتصل إلى أفق الفلسفة العميقة والبحث الوجودي. ارتبط اسم هذا الفنان العظيم ارتباطا وثيقا بمدينة دمشق، تلك المدينة التي شكلت روحه الفنية ومهدت رؤيته الإبداعية. وصفها بأنها الأم، الأخت، الحبيبة، الوطن، قصيدة عشق غنائية تتجلى في كل تفاصيل لوحاته. ولد في حي المزة بدمشق عام 1938، حيث نشأ في بيئة غنية بالتفاصيل البصرية والتراثية. شكلت بساتين المزة بجمالها الطبيعي وأشجارها المثمرة المنبع الأول لإلهامه.
من هنا بدأت علاقته العميقة بالرمان والتفاح، رمزان سيصبحان جزءا لا يتجزأ من لغته البصرية.
بدأت رحلته الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1959، وتخرج منها عام 1965. في القاهرة تأثر بالواقعية المصرية والفن الفرعوني، واكتسب تقنيات الرسم بالألوان المائية والزيت. تعلم أسس مزج الألوان وتأسيس القماش. هناك التقى بالفنانة المصرية شلبية إبراهيم، التي أصبحت زوجته وشريكته في رحلته الفنية.
بعد عودته إلى دمشق أقام معرضا لأعماله عام 1965، أظهر فيه تنوعا في الأساليب والتقنيات. مزج بين التحريف الشديد في رسم الأجساد والوجوه والنمنمة التفصيلية في أجزاء أخرى من اللوحة الواحدة. التحق بجهاز التدريسي في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1968، ليصبح أحد أهم أساتذة الكلية. بين عامي 1971 و1974 سافر في بعثة دراسية إلى باريس، حيث نال شهادة من المعهد الوطني العالي للفنون الجميلة. ساهمت هذه السنوات في تطوير خبراته التقنية ومعارفه النظرية.
تعد مرحلة الدمشقيات، التي امتدت من عام 1975 إلى 1991، قمة التجربة الفنية لنذير نبعة. كرس فيها جزءا كبيرا من جهده الإبداعي لمدينة دمشق. اتجه نحو مفاهيم الحداثة، ومزج بين مدارس وتقنيات وأساليب متعددة في اللوحة الواحدة. احتلت المرأة مكانة مركزية في لوحات الدمشقيات، رمزا متعدد الأبعاد يجسد الوطن والأرض والتاريخ والأصالة. قال نبعة ؛ المرأة هي البطل الرئيسي وهي الكتلة الأساسية في اللوحة، إنها ملونة كما الحياة تماما، تزهر أحيانا كثيرة وقد تذبل في بعض الأوقات، هي الأم والزوجة والحبيبة والصديقة والأخت.
تظهر المرأة في لوحاته غالبا في أجواء شرقية حميمة، محاطة بتفاصيل زخرفية غنية. هي عشتار الدمشقية التي تحمل خصوبة الأرض وجمال الوجود. عيون النساء في لوحاته واسعة ومعبرة، تعكس حكمة الأجداد وعمق التاريخ. أياديهن الرقيقة تحمل رموزا دمشقية أصيلة، كالرمان أو القواقع.
الرمان يشكل رمزا محوريا في لوحاته. رآه رمزا للشرق، فقيرا من الخارج وغنيأ من الداخل، تماما كالبيت الشامي الذي يبدو متواضعا من الخارج ويخبئ جنة في داخله. ارتبط الرمان بذاكرة الطفولة في بساتين المزة. كان يرى الرمانة عبر مراحلها من الزهرة حتى النضوج، بما في ذلك تلونها من الخارج والداخل، والحروق البنية التي تصيبها الشمس، والتشققات اللاحقة. يظهر الرمان في لوحاته بألوان زاهية، تتراوح بين الأحمر القاني والبرتقالي الذهبي، مع لمسات من الأخضر الداكن لأوراقه. الملمس في الرمان ناعم ولامع، مع بعض الخشونة في المناطق المتشققة، مما يضيف عمقا واقعيا للوحة. الرمان في أعمال نبعة ليس مجرد فاكهة، بل قصة عن الأرض والخصوبة وذاكرة الطفولة.
أما التفاح فهو رمز آخر يتكرر. يرمز التفاح في الغرب إلى الإغراء والموت أو إلى الأمل بالتجدد والسلام. في التحليل النفسي يرمز التفاح لثدي المرأة. انجذب نبعة لشكل التفاحة المميز الذي يقترب من الدائرة، ورأى فيها الكثير من الخطوط والنقاط والتلاوين التي تجعلها شهية وجميلة.
التفاحة مبهجة بصريا، وهذا الشكل شده منذ طفولته ليصبح عنصرا تشكيليا يعكس توافقا مع مرجعية خبرات الطفولة الأولى. يظهر التفاح في لوحات نبعة بألوان حمراء زاهية أو خضراء فاتحة، مع تدرجات لونية دقيقة تعكس انعكاس الضوء على سطحه اللامع. الملمس ناعم ومصقول، مما يبرز جمال شكله الدائري. التفاح رمز للحياة والخصوبة والجمال الأنثوي.
ايضا تحتل القوقعة مكانة هامة في لوحاته، رمز يختصر الحياة والموت. تعود علاقته الشخصية بالقوقعة إلى والدته التي كانت تمتلك إحداها وتضعها قرب المصحف. رآها رمزا للغموض الأنثوي، فهي تظهر كل ما لديها وتخبئ اللؤلؤ في داخلها.
ترمز القوقعة أيضا لولادة فينوس عند الإغريق والرومان. تظهر القوقعة في لوحات نبعة بألوان ترابية هادئة، كالبيج والبني الفاتح، مع تدرجات لونية دقيقة تعكس تعرجاتها الطبيعية. الملمس خشن ومحبب، مما يبرز طبيعتها العضوية. القوقعة رمز للعمق والغموض وللحياة التي تنبع من أعماق البحار.
وهناك السمكة في لوحاته رمز للخير وهي رمز جنسي أيضا. وشكلها الجميل يستهوي الفنان بصريا. تظهر السمكة بألوان زرقاء أو فضية لامعة، تعكس انعكاس الضوء على قشورها. الملمس ناعم ولامع، مما يبرز حركتها وانسيابيتها. السمكة كرمز للخير والخصوبة تضيف بعدا حيويا للوحات. الناي كرمز موسيقي يرمز لوحدة الماء والنبات والهواء، ويخلق الموسيقى. رآه نبعة رمزا شكليا لحرف الألف، مما يربط بين الفن والموسيقى واللغة.
يظهر الناي بلون الخشب الطبيعي، مع تفاصيل دقيقة لفتحاته. الملمس ناعم ومصقول. القنديل رمز للنار والنور، رافق الفنان في مراحل دراسته. يظهر بألوان دافئة كالأحمر والبرتقالي، مع تدرجات تعكس توهج النار. الصلب كرمز يرمز للمناضلين الذين حاولوا تقديم فكر مستنير، يظهر بلون بني داكن أو أسود مع ملمس خشن.
تميزت لوحاته ببراعة تقنية فريدة، جمعت بين الدقة المتناهية والعفوية، وبين العقلنة والارتجال.
في مرحلة الدمشقيات، أولى اهتماما بالغا للزخارف العربية الإسلامية والحلي التقليدية والصدفيات والزجاجيات والأزياء الدمشقية التقليدية. لم تكن هذه التفاصيل مجرد عناصر تزيينية، بل جزء لا يتجزأ من السرد البصري. كانت النمنمة الدقيقة بمثابة فعل تعبدي، يعكس شغفه بالتفاصيل وجماليات التراث. تنوعت التقنيات والمواد اللونية، مستخدما الألوان المائية والزيت والأكريليك. اعتمد على عجينة لونية سميكة في بعض الأحيان، ومعالجة هذه المادة بمشحف الرسم بضربات شاقولية وأفقية. أضفى هذا الجمع طابعا من العفوية والانفعالية إلى جانب الدقة المتناهية.
استخدم نبعة الألوان ببراعة، وكانت ألوانه تعكس روح دمشق وجمالها. اللون الأرجواني حظي بمكانة خاصة، ظهر في كل من الدمشقيات والتجليات. أضاف هذا اللون بتدرجاته الغنية عمقا وروحانية إلى أعماله. استخدم تدرجات البني والأزرق الدمشقي، التي تعكس ألوان البيوت القديمة والسماء الصافية.
كانت ألوانه مستوحاة من الطبيعة السورية وبراريها وجروفها الصخرية، حاملة الكثير من الأفكار والعواطف والذكريات. جمع في فنه بين العقلنة في النمنمة والتفاصيل الدقيقة، والارتجال في العفوية وضربات الفرشاة. هذا التوازن بين الأضداد كان سمة مميزة لأسلوبه، يعكس بحثه الدائم عن التوازن بين الشكل والمضمون، بين المهارة التقنية والتعبير الوجداني.
في لوحة المساء، تظهر الأم أو المرأة وهي تقلب خبز التنور.
تسيطر الألوان الدافئة كالأحمر والبرتقالي والبني على اللوحة، خالقة جو من الحميمية والأصالة. يرمز خبز التنور إلى الحياة والعطاء والدفء الأسري، بينما ترمز الأم إلى الوطن والأرض. التكوين في اللوحة متوازن، مع تركيز على الشخصية المركزية للمرأة، محاطة بتفاصيل زخرفية دقيقة تعزز الإحساس بالعمق والتاريخ. في لوحة ربة الموسيقى، تظهر الرموز الموسيقية والأنوثة، حيث تجسد المرأة كربة للموسيقى. الألوان زاهية وحيوية، تعكس بهجة الموسيقى والفن.
التكوين يعتمد على تداخل الأشكال والخطوط، خالقا نسيجا بصريا معقدا وغنيا. لوحة الراقص الصوفي تمثل رقصة صوفية دمشقية تقليدية. تجسد اللوحة حركة الروح في فضاء دمشق. الألوان هادئة وروحانية، تعكس التأمل والخشوع. التكوين يعتمد على حركة الدوران، خالقا إحساسا بالتدفق والروحانية.
لوحة بحر البقر من عام 1970 تعكس تفاعل نبعة مع الأحداث السياسية، رسمها رد فعل على العدوان الإسرائيلي. تظهر فيها عناصر تعبيرية قوية تعكس الألم والمعاناة. الألوان داكنة وقاتمة، تعكس أجواء الحرب والدمار. التكوين يعتمد على التعبيرية، خالقا إحساسا بالتوتر والصراع. هذه اللوحة تجسد دور الفن في مواجهة المأساة.
لم يلتزم بنمط أسلوبي واحد طوال مسيرته الفنية، فبعد مرحلة الدمشقيات، اتجه نحو مرحلة جديدة أطلق عليها اسم التجليات. سعى إلى الغوص في روحية قريبة من أحوال التصوف والنورانية.
أصبح الفن بالنسبة له بحثا عن الروح الكامنة خلف المادة والشكل. اعتمد على عجينة لونية سميكة، ومعالجة المادة بمشحف الرسم بضربات شاقولية وأفقية. أضفى هذا الطابع على لوحاته طابعا من الانفعالية والتلقائية. أصبح الملمس النافر والغائر بديلا للشكل، خالقا إيقاعات ملمسية تعكس العفوية. لم تظهر دمشق بتفاصيلها المعمارية الواضحة، بل بروحها وأضوائها وأجوائها الروحانية. يمكن رؤية تأثير الجامع الأموي والحارات القديمة والبيوت الدمشقية كإيحاءات لونية وتكوينية تعكس جوهر المكان.
تأثر بشكل عميق بالحروب والدمار الذي لحق بالمدن العربية، مما دفعه إلى إطلاق مجموعة المدن المحروقة. بعد أحداث مجزرة قانا والقصف الأمريكي لبغداد، تغيرت رؤيته للمدينة. لم تعد أي مدينة عربية مجرد مصدر للإلهام الجمالي، بل أصبحت رمزا للصمود في وجه الدمار والمعاناة.
استخدم ألوانا داكنة وتكوينات تعبيرية قوية ليعبر عن الألم والخراب، انخرط في المقاومة الفلسطينية، مصمما عددا كبيرا من الملصقات السياسية لحركة فتح. رأى أن رسوماته كانت بمثابة الناطق الرسمي بلسان الحراك الفلسطيني. في أواخر حياته، واجه ظاهرة التطرف، مما دفعه إلى إطلاق مجموعة رسومات بالحبر الصيني أطلق عليها اسم المفاتي، إشارة إلى الفتاوى التي ترتكب بموجبها أبشع الجرائم.
يبقى إرث نذير نبعة خالدا في أعماله الفنية التي تزين المتاحف والمعارض، وفي تأثيره كمعلم وملهم للأجيال اللاحقة. ترك مجموعة من اللوحات تحكي قصة دمشق، قصة المرأة، وقصة أمة، بألوان ورموز تتجاوز حدود الزمان والمكان. لم يكن مجرد رسام، بل فيلسوف ومؤرخ وشاعر، يترجم كل هذه الأدوار إلى لغة بصرية فريدة تتحدث إلى الروح والوجدان. استطاع أن يخلق عالما فنيا خاصا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة، بين الواقع والخيال. لوحاته عن دمشق ليست مجرد صور، بل حكايات وقصص وأساطير تتناقلها الأجيال، تحكي عن مدينة خالدة وفنان مبدع، يظل حيا في أعماله وفي الروح التي بثها في كل من لمس فنه.