د. تنيضب الفايدي
يوجد في مدينة خيبر بقايا الحصون الشهيرة، وهي شبيهة بحصون المدينة المنورة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هدمها، بل اعتبرها زينة للمدينة فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن آطام المدينة أن تهدم. وفي رواية: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تهدموا الآطام فإنها زينة المدينة). واعتبرها الباحث كنـوزاً لا تقدر بثمن.
وقبل ذكر المعلومات عن حصن القموص إليكم أيها القارئ والقارئة بعض المعلومات عن أغراض بناء الحصون والآطام والصياصي.
إن الآطام والحصون والصياصي أنواعٌ من البناء اشتهرت بها المدينة المنورة وكذا خيبر وقد جاء ذكر الحصون والصياصي في القرآن الكريم، يقول تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} سورة الحشر الآية(2) وقال تعالى: {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ..} سورة الأحزاب الآية(26). وبقايا تلك الحصون تظهر لنا التطور العمراني والتقدم الحضاري في ذلك الوقت.
وشيّدت الحصون والآطام لأغراض متنوعة ووظائف مختلفة منها:
- التحصن من الأعداء: من أهم وظائفها الحماية والدفاع عن النفس ولاسيما أن بعضها محاط بأبراج حماية عالية ضمن البناء، كما أنـها مزودة بما يحتاج من سلاح وزاد وماء فالبعض من هذه الآطام كانت مساحتها كبيرة جداً تكفي لعدد كبير من الناس و كمية من الزاد والماء ما يكفي لفترة طويلة.
- حماية المزارع والأراضي الزراعية: من أهم وظائفها حماية المزارع والأراضي الزراعية الموجودة حول تلك الآطام والحصون؛ لأن الآطام بنيت عادة في المكان المرتفع ومن هنا تكون مراقبة المزارع سهلة.
- إنها كالمستودع للغلال والثمار: فهم يجمعون الغلال والثمار في هذه الآطام والحصون نظراً لعـدم اعتداء العـدو عليها.
- إنها مكان مناسب لحفظ الكنوز والأموال: حيث إن الآطام والحصون كانت أماكن مناسبة وأمينة يحفظون فيها الكنوز والأموال، يقول المؤرخ اليهودي إسرائيل ولفنسون (وكان الأطم مرجعاً لكنز الأموال والسلاح).
- إنها مخازن للأسلحة: فأصحاب الآطام يجمعون فيها السلاح كالسيف والرماح والسهام والحجارة حتى يمكن لهم ضرب العدو من وراء جدار الآطام.
- إنها مركز للإعلان والتبليغ: فكان الأطم مركزاً للإعلان والتبليغ حيث الارتفاع المناسب ومن هنا يصل الصوت إلى مسافة بعيدة.
- إنها مدرسة للتعليم : قد خصص اليهود بعض الآطام للتدريس فيجتمعون مع علمائهم ويتدارسون كتبهم ودينهم وقد ذكر ابن هشام قصة دخول أبي بكر رضي الله عنه إلى أحد هذه الآطام وهم كانوا يتدارسون.
- إنها مقر للتشاور والاجتماعات: يقول إسرائيل ولفنسون: (وكانت الآطام تشتمل كما نظن على المعابد وبيوت المدارس وكانت فاخرة الأثاث وكثيرة الأدوات، مملوءة الأسفار، فكان يجمع فيها الزعماء للمبيت والمشاورة حين يقسمون بالكتب المقدسة حين يهمون بإبرام العقود والاتفاقات).
ومن أشهر تلك الحصون حصن القموص:
حصن القموص بالقاف والصاد المهملة كصبور، وقيل بغين فضاد معجمتين. والقموص اسم للجبل الذي يقع عليه الحصن. كانت رياسته لبني الحقيق. وهو من أقوى حصون خيبر تحصنا، وأشدها منعة. تتوسط مزارع النخيل في منطقة الكتيبة أو ما يعرف اليوم بخيف عين الريا وهو امتداد وادي الزايدية، وهذه الصخرة التي يقع عليها الحصن تعتبر من المناظر العجيبة تشبه السفينة تماماً وهي منفصلة بشكل تام عن جميع الحرات البركانية المجاورة. وعلى جانبه الجنوبي تقع الديرة القديمة (خيبر القديمة) التي يشكل الحصن حاميتها الشمالية وامتدادا لسورها الذي يلتف حولها من جميع الجهات مرتبطا من أقصى الشرق وأقصى الغرب بالحصن من جهتيه الشرقية والغربية.
وقد دلت الآثار على أن الحصن كان يستخدم كمقر لمن تولى الإمارة في خيبر منذ القدم، بل إن البئر التي يتميز ويشتهر بها الحصن، كانت تستخدم كسجن من قبل بعض الولاة، ومن ذلك ما ورد من أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان قد سجن عبد الرحمن بن حنبل الجمحي أحد بني جمح من قريش حمله عثمان بن عفان على فرس فباعه، فلامه عثمان على بيعه فغضب فهجا بني أمية بأبيات منها:
أبلغ أميـة أن صاحب أمـرهـا
كـالبكر يوم رغا على الأطواق
عرفت لكم فاعلوا عليها واسفلوا
فعـل القبيح ودقة الأخلاق
فضربه عثمان وسيّره إلى خيبر وحبسه في القموص فقال:
إلى الله أشكو لا إلى الناس ما عدا
أبـا حسن غلا شديدا أكابده
بخيبر في قعر القموص كأنها
جوانب قبر عمق اللحد لا حده
أأن قـلت حقا أو نشدت أمـانة
قتـلت فمن للحق إن مات ناشدة
وهذا الحصن شيدت أساساته من الكتل الحجرية الضخمة بينما شيدت جدرانه من الأحجار البركانية واللبن، وتشير بقايا جدرانه الخارجية إلى أنه كان يضم عدداً من الأبراج، وكانت بالجدران الكثير من المزاغل (الفتحات) التي تمكن من بداخل الحصن من مراقبة المهاجمين والدفاع عن الحصن، ويصل إلى الحصن من الوادي ممر ضيق تصعد درجاته لتؤدي إلى بوابة الحصن التي وصفها اليعقوبي بقوله: (وكان باب الحصن من الحجارة وله أربعة أذرع في عرض ذراعين في سمك ذراع)، وأمام البوابة بئر مطوية بالأحجار البركانية وبالقرب منها أطلال برج كان يستخدم للدفاع عن مدخل الحصن، وقد عثر بالحصن على الكثير من كسر الفخار التي ترجع إلى العصور العباسية والعثمانية مما يشير إلى استمرار استخدام الحصن طوال تلك العصور.
نبذة تاريخية
لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلّم حصون النّطاة والشّق انهزم من سلم منهم إلى حصون الكتيبة، وأعظم حصونها القموص، وكان حصنا منيعا. ذكر موسى بن عقبة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حاصره قريباً من عشرين ليلة، وكانت أرضا وخمة.
وقد ذكر الصالحي في سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد حديثا عن حصن القموص، من أشمل ما قيل عنه، هذا نصه: «روى الشيخان عن سهل بن سعد، والبخاريّ وابن أبي أسامة، وأبو نعيم عن سلمة بن الأكوع، وأبو نعيم، والبيهقي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه. وأبو نعيم عن ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وأبو ليلى، ومسلم، والبيهقي عن أبي هريرة، والإمام أحمد وأبو يعلى والبيهقي عن علي رضي الله عنهم قال بريدة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم تأخذه الشّقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته الشّقيقة فلم يخرج إلى الناس، فأرسل أبا بكر رضي الله عنه فأخذ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نهض فقاتل قتالاً شديداً، ثم رجع، ولم يكن فتح وقد جهد، ثم أرسل عمر رضي الله عنه فأخذ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل قتالاً شديداً هو أشدّ من القتال الأول، ثم رجع، ولم يكن فتح، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله عليه، ليس بفرار، يحب الله ورسوله، يأخذها عنوة» وفي لفظ «يفتح الله علي يديه» قال بريدة: فبتنا طيّبة أنفسنا أن يفتح غدا، وبات النّاس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، قال أبو هريرة قال عمر: فما أحببت الإمارة قطّ حتى كان يومئذ. رواه البخاري، قال بريدة: فما منّا رجل له من رسول الله صلى الله عليه وسلّم منزلة إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرّجل، حتى تطاولت أنا لها، ورفعت رأسي لمنزلة كانت لي منه، وليس منّة. وفي حديث سلمة وجابر: وكان عليّ تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لرمد شديد كان به لا يبصر، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا، أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم! فخرج فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم قال بريدة:
وجاء علي رضي الله عنه حتى أناخ قريبا، وهو رمد، قد عصب عينيه بشقّ برد قطري، قال بريدة: فما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم صلّى الغداة، ثمّ دعا باللّواء، وقام قائما. قال ابن شهاب: فوعظ الناس، ثم قال: «أين علي»؟ قالوا: يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، قال سلمة: فجئت به أقوده، قالوا كلهم: فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟، قال: رمدت حتى لا أبصر ما قدّامي. قال: ادن مني، وفي حديث علي عند الحاكم: فوضع رأسي عند حجره، ثم بزق في ألية يده فدلك بها عيني، قالوا: فبرأ كأن لم يكن به وجع قط، فما وجعهما علي حتى مضى لسبيله، ودعا له وأعطاه الراية، قال سهل فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى وحق رسوله. فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم. وقال أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: اذهب فقاتلهم حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت، قال: علام أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، فخرجوا، فخرج بها والله يؤج يهرول هرولة، حتى ركزها تحت الحصن فاطّلع يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: علي، فقال اليهودي غلبتهم والذي أنزل التوراة على موسى، فما رجع حتى فتح الله تعالى على يديه. قال أبو نعيم: فيه دلالة على أن فتح علي لحصنهم مقدم في كتبهم بتوجيه من الله وجهه إليهم، ويكون فتح الله تعالى على يديه». انتهى كلام الصالحي.
ويعدّ حصن القموص من أهم حصون خيبر، فلا يكاد يعرف بخيبر من الحصون إلا هو، ويعرف بأسماء متعددة منها: حصن مرحب، ومنها حصن خيبر، وتأتي شهرة هذا الحصن بسبب كونه الحصن الأهم في فتح خيبر فبفتحه فتحت خيبر على يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي فتحه وقعت قصة الراية الشهيرة.
ويرى الباحث أن من الواضح أن فتح علي رضي الله عنه للحصن كان هو فتح خيبر بدليل أن الأحاديث التي وردت في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الراية لعلي جميعها بشرت بأنه يفتح الله على يديه، والمقصود؛ يفتح خيبر وليس فتح حصن ناعم.
وقد أجمع السلف على أن فتح خيبر قد تم بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ولو كان عند حصن ناعم لما سمي فتحا. لأنّ الحصون التي تلت حصن ناعم (الصعب بن معاذ، قلعة الزبير، قلعة أبي، حصن النزار) دارت عندها معارك ضارية وقادها عدد من الصحابة ليس علي بينهم. ولم يسم فتح أي من الحصون السابقة لحصن القموص فتحا. وبدليل أن الحديث يذكر نصا « فلما بتنا الليلة التي فتحت» والمقصود خيبر وليس الحصن؛ لأن هذا الحصن هو آخر حصن يدور عنده قتال.
ومن خلال استعراض الأدلة ومعاينتها بالواقع الميداني يتبين أن الفتح إنما كان عند حصن القموص في الكتيبة، وهو ما ذهب إليه عدد من كتاب السير منهم الصالحي في سبل الرشاد والديار بكري في تاريخ الخميس وغيرهما، وقد رجحه أيضا الدكتور سلام شافعي محمود الذي خصص بحثا عن حصون خيبر في الجاهلية وعصر الرسول صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
والحصن في وضعه الراهن على شكل قرية صغيرة مطلة على الديرة القديمة ، قد تم ترميمه في بداية العهد السعودي الزاهر على يد أحد أمراء خيبر ويطلق عليه مساعد بن خريمس، وكان ذلك عام 1344هـ.
ومنذ ذلك التاريخ استخدم الحصن مقراً للإمارة والدوائر الحكومية التي نشأت آنذاك، إلى أن انتقل مقر الإمارة إلى المبنى المستأجر في قرية الشريف بالقرب من السوق الشهير.
كما تشير الوثائق إلى أن الحصن قد سبق ترميمه قبل ذلك أي حوالي عام 1292هـ في عهد حاكم خيبر التابع لشريف المدينة (عبدالله الصيروان). قبل الترميم الأخير في عهد الأمير مساعد بن خريمس. واستمر كذلك مستخدما كمقر للإمارة حتى تاريخ إخلائه للمرة الأخيرة عام 1390هـ، وهو في حالته الراهنة خير شاهد على تاريخ الدولة السعودية الثالثة وانضمام خيبر إليها في 12 شوال 1341هـ كأول مدن الحجاز دخولاً في سلطان الملك عبدالعزيز رحمه الله.
إن محافظة خيبر جزءٌ من تاريخنا الإسلامي المجيد، فمحافظة خيبر بما فيها من الآثار اعتبرها الباحث كنزاً لا يقدر بثمن، فالقلاع والحصون والآطام والمآثر بل الأودية والجبال التي لها علاقة بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كل ذلك يعتبر إرثاً ثقافياً فكرياً لكل جيل، لأن تلك المآثر من العوامل التي ترسخ مفهوم السيرة، كما تثبّت الإرث الثقافي في عقول ووجدان الناشئة، وتولد الثقة بالنفس والاعتزاز بتلك القيم الحضارية.. وبالتالي تولد الاعتزاز بالوطن وتغرس حبه وحب كل موقع في أي جزء من الوطن الغالي.
** **
المراجع:
معجم البلدان للحموي، مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم للواقدي، المناسك للحربي.
السيرة الحلبية للحلبي، حصون خيبر في الجاهلية وعصر الرسول صلى الله عليه وسلم لـ: سلام شافعي، خيبر الغزوة المحافظة السياحة للدكتور/ تنيضب الفايدي، غزوة خيبر دراسة علمية توثيقية للدكتور/ تنيضب الفايدي والأستاذ/ صيفي الشلالي.