ناصر بن فريوان الشراري
في فكر التخطيط التنموي الحديث، لا تُقاس القيمة الإستراتيجية للمنشآت التعليمية بعمرها الزمني فحسب، بل بمدى قدرتها على البقاء كشاهد حي يروي مسيرة التطور الاجتماعي والثقافي للمجتمع، ومن هذا المنطلق الاستثماري، تبرز اليوم على السطح معضلة محلية واقتصادية تستدعي التأمل، وهي ما يتردد حول نية إزالة مدرسة قرطبة الثانوية بحي حصيدة بمحافظة القريات في منطقة الجوف، هذا الصرح الذي يقف شامخاً لأكثر من أربعة عقود، لم يكن يوماً مجرد جدران خرسانية، بل منارة خرّجت آلاف الكفاءات الوطنية التي تسهم اليوم بفاعلية في بناء الوطن، وهو ما يضعنا أمام تساؤل جوهري ملحّ حول ما إذا كان الخيار الأمثل في التعامل مع مبانينا التعليمية العريقة هو الإزالة وإعادة البناء، أم التطوير والترميم الوقائي المستدام.
إن التفكير في خيار الاستدامة يتأكد بالنظر إلى المواصفات الهندسية والجغرافية المتميزة التي تتمتع بها ثانوية قرطبة، حيث شُيدت في مرحلة رُوعيت فيها أدق معايير البيئة التعليمية المثالية التي قد لا تتكرر، فهي تتوسط قلب حي حصيدة لتشكل نقطة التقاء محورية تخدم عدة أحياء محيطة بها، مما يجعلها شرياناً تعليمياً حيوياً يسهل الوصول إليه وتخفيف الضغط المروري عن بقية المحاور، فضلاً عما تفردت به من ساحات خارجية فسيحة ومواقف مهيأة تستوعب سيارات الكادر التعليمي والطلاب بكفاءة عالية، وهي ميزة تنظيمية تفتقر إليها اليوم الكثير من المباني الحديثة ذات المساحات المحدودة والمضغوطة.
وفي الوقت الذي تتبنى فيه المملكة العربية السعودية، عبر رؤيتها المباركة 2030، نهجاً جاداً ومحكماً في كفاءة الإنفاق، يأتي التوجه نحو الترميم الوقائي للمباني ذات القواعد الإنشائية القوية ليجسد تطبيقاً عملياً لهذه الفلسفة الاقتصادية والبيئية، إذ إن هدم منشأة قائمة بهذا الحجم ثم البدء في تشييدها من الصفر لا يستنزف مبالغ مالية طائلة فحسب، بل يخلّف وراءه أعباءً بيئية ناتجة عن مخلفات الهدم، في حين أن خيار إعادة التأهيل الهيكلي وتحديث الأنظمة التقنية والشبكات الداخلية يختصر أكثر من نصف الكلفة الإجمالية، ويمنح المبنى ذات الكفاءة التشغيلية والبيئية للمباني الحديثة بذكاء واختصار للوقت والجهد.
وعندما نجول بأبصارنا في التجارب الدولية الناجحة، نجد أن كبرى دول العالم تتعامل مع المنشآت التعليمية العريقة كإرث حضاري يُمنع المساس به وتُسخّر الإمكانات لاستدامته، والشواهد على ذلك كثيرة، فجامعة بولونيا في إيطاليا التي انطلقت عام 1088م لا تزال تنبض بالحياة والكفاءة الأكاديمية حتى يومنا هذا، وجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة التي يعود تاريخ التدريس فيها إلى عام 1096م ما زالت قاعاتها التاريخية تحتضن نوابغ الطلاب، ومدرسة الملك في كانتربري باعتبارها أقدم مدرسة مستمرة في العالم منذ تأسيسها عام 597م تؤدي رسالتها حتى هذه اللحظة، حيث لم تخلد هذه المؤسسات العريقة لأن مبانيها عصية على الزمن، بل لأنها استندت إلى ثقافة استدامة راسخة تؤمن بالتجديد المستمر للمناهج بالتوازي مع الصيانة والترميم المستمر للمباني، مما يدعونا إلى تعميق هذه الثقافة الإستراتيجية في التعامل مع مناراتنا التعليمية التي عاصرت بدايات النهضة التعليمية في مناطقنا.
إن الخلاصة التي نقف أمامها تتلخص في أن القيمة الوجدانية والمعنوية لمدرسة قرطبة بالقريات، إذا ما تم التأكد من سلامة هيكلها الإنشائي وقوة أساساتها، تجعل من خيار الإزالة خسارة مادية وتاريخية للمحافظة، ومن ثم فإننا نضع هذه القراءة الهادئة والشاملة أمام طاولة صناع القرار في وزارة التعليم، والذين استلهمنا منهم دائماً تقديم المصلحة العامة والحفاظ على مكتسبات الوطن، وعقد الأمل في توجيه كريم لتشكيل لجنة هندسية وفنية متخصصة تعيد تقييم هذا الصرح بعين الاستدامة والترميم، فالحفاظ على ثانوية قرطبة وتطويرها لتواكب العصر ليس انكفاءً على الماضي، بل هو استثمار ذكي في الحاضر، واحترام واثق لذاكرة التعليم في محافظة القريات.