خالد بن حمد المالك
منذ فترة وتحديداً في شهر رمضان المبارك من هذا العام دعيت لزيارة جدة التاريخية، وكنت سمعت عنها، لكن من سمع ليس كمن رأى، ثم قرأت عنها، لكن القراءة غيرها عندما يقف الإنسان على الموقع ويتعرف على كثير من التفاصيل على لسان رجل مسؤول، وأمام مشاهد حية أمام ناظريه، وكان المهندس سامي نوار بشغفه، وبحكم مسؤولياته في جدة التاريخية قد أخذني في جولة على المنشآت، وعرفني على ما لا أعرفه عن تاريخ هذا الجزء التاريخي من جدة التي يقال عنها بأنها غير، وأنها عروس البحر الأحمر.
* *
زرنا بيت نصيف، وكل معالم الإرث التاريخي العظيم للمنطقة، حيث أعمال الترميم، وإعادة تأهيل المنطقة، دون المساس بطابعها العمراني ونمط عمرانها القديم، وضمن ما استمعت إليه من المهندس سامي نوار بأن أعمال التنقيب الأثري شكلت في جدة التاريخية خطوة علمية مهمة في مسار تطوير المنطقة خلال السنوات الأخيرة، حيث أجريت حفريات ودراسات متخصصة، أسهمت في توثيق التسلسل الحضاري للمدينة، وإبراز عمقها التاريخ، بوصفها بوابة للحرمين الشريفين، وميناء رئيساً على البحر الأحمر.
* *
من أبرز المواقع الأثرية التي حظيت بأعمال دراسية، وعناية واهتمام مسجد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أحد أقدم مساجد جدة التاريخية، والذي يمثل معلماً دينياً ومعمارياً بارزاً، ويعكس الطراز التقليدي للعمارة في الحجاز، وهناك موقع الشونة الأثري، وهو موقع تاريخي ارتبط بالوظيفة التجارية والبحرية للمدينة، ويعد شاهداً على دور جدة كمركز تخزين وإمداد للقوافل والحجاج عبر العصور، وقد أسهمت أعمال التنقيب في هذا الموقع وفي مسجد عثمان وغيرهما في تعزيز المعرفة العلمية بتاريخ جدة، وتوفير مرجعيات دقيقة، تُبنى عليها خطط الحماية والتطوير والأصالة والتكامل.
* *
يشير المهندس سامي نوار إلى أن أعمال الترميم والحماية انطلقت ضمن منهجية شاملة تهدف إلى الحفاظ على النسيج التاريخي، وتعزيز استدامته، وأن هذه الجهود أثمرت حتى الآن عن ترميم ما يقارب 120 مبنى من المباني التاريخية، وفق أفضل الممارسات المتخصصة في حفظ التراث العمراني.
* *
ومع الترميم، هناك برامج صيانة وتأهيل للمباني التاريخية، وتعزيز مستوى السلامة العامة، ومعالجة المخاطر، وتطوير البنية التحتية، بما يتوافق مع الطابع التاريخي، وتطبيق آليات متابعة ورصد مستدامة، ودعم إعادة الاستخدام، بما يحقق الاستدامة الثقافية والاقتصادية، وقد اعتمدت على منهجية متدرجة، تراعي القيمة التاريخية لكل مبنى، وتحافظ على عناصره الأصيلة.
* *
وقد جاء الإعلان عن مشروع إعادة أحياء جدة التاريخية تنفيذاً لتوجيهات سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، الذي يولي اهتماماً إستراتيجياً للقطاع الثقافي والتراثي، حيث يرى سموه بأن هذا الاهتمام لم يكن مجرد مشروع عمراني، بل إنه تجسيد لرؤية ترى في التراث عنصراً محورياً في بناء الهوية الوطنية، وتعزيز الاقتصاد الثقافي، باستثمار المقومات التاريخية للمملكة، وتحويلها إلى روافد تنموية مستدامة.
* *
في جدة التاريخية، يلاحظ من يزورها أن المنطقة تحولت إلى واجهة ثقافية وسياحية عالمية، وأنه قد تم إعادتها كرمز حضاري، ونموذجاً وطنياً لإدارة مواقع التراث، بحيث يجمع بين الحماية الواعية والتنمية المتوازنة، فالتراث بمفهوم القائمين عليه ليس ماضياً يصان فقط، بل مستقبل يبنى عليه، هذا التحول جعل «البلد» يستعيد مكانته، كبوابة تاريخية وثقافية نابضة بالحياة، تمضي بخطى ثابتة نحو العالمية، مستندة على دعم القيادة الرشيدة ورؤية المملكة، ما جعل جدة التاريخية منطقة استقطاب للاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الابداعي، مع تمكين رواد الأعمال في المجالات الثقافية والحرفية.
* *
وقد شكل تأسيس وزارة الثقافة في يونيو 2018م نقطة انطلاق لتعزيز، وإدارة مواقع التراث الوطني، وفق إطار مؤسسي واضح، معتمدة على الانتقال من جهود متفرقة إلى مشروع وطني متكامل لإعادة تأهيل الأحياء، حيث تم في هذه المرحلة تطوير كيان إداري مختص بجدة التاريخية، قبل أن يتم تحويله إلى برنامج تنفيذي متكامل، يشرف على الخطط والتخطيط والتطوير والتنفيذ، وفق معايير دولية تحافظ على القيمة التاريخية للموقع.