عبدالعزيز بن سليمان الحسين
كان أهل الرياض قديماً يطلقون على عيد الأضحى اسم «عيد اللحم»، لما يحمله من معانٍ مرتبطة بالأضاحي واجتماع الأسرة ووفرة الطعام، حيث تمتد أيامه الأربعة بمظاهر الفرح والتكافل وروح المشاركة بين الناس، ومن المؤكد أن هذه الملامح لم تكن مجرد طقوس عابرة، بل كانت أسلوب حياة متكامل يعكس بساطة المجتمع وقوة ترابطه، وقبل حلول العيد بعدة أيام، يتوجه الرجال إلى «سوق الغنم» جنوب مدينة الرياض لشراء الأغنام أو الإبل، ويحرصون على اختيار الأضحية السليمة. وبعد الشراء تُنقل الأضاحي إلى المنازل أو المزارع، وإن ضاقت البيوت بها، وُضعت عند قريب أو جار لديه حوش مناسب، في صورة جميلة من التعاون بين الأهالي، مع توفير الأعلاف والعناية بها حتى صباح العيد، وفي صباح يوم النحر، تكون أدوات الذبح قد أُعدّت منذ وقت مبكر، وتجتمع الأسرة رجالاً ونساءً وأطفالاً، ويتولى كبار الأسرة الذبح بمشاركة الأبناء في السلخ والتجهيز. ومن العادات المعروفة أن يكون صاحب الأضحية حاضراً وقت الذبح، بل وحتى النساء يشاركن بوضع أيديهن على الأضحية أثناء الذبح، تعبيراً عن المشاركة والارتباط بهذه الشعيرة المباركة، وبالتالي، فإن ما يلي الذبح كان يشكل لوحة اجتماعية جميلة، حيث تُشعل النار لـ»حسحسة» الرأس والمقادم، وتُقطع أجزاء من اللحم لإعداد الحميس والكبدة، وهي من أوائل الأطباق التي تُقدَّم صباح العيد، أما الشيء الجميل في هذا المشهد، فهو دور نساء الأسرة في إعداد خبز التنور وتجهيز «الشلف» وهي رقائق القرصان قبل طبخها، وتُقدَّم مع المرق أو «الحساء» المصنوع من اللحم والخضار، لتكون وجبة الإفطار والغداء وسط أجواء يملؤها الدفء واجتماع العائلة، وكانت الأسر تقسّم لحم الأضحية إلى أجزاء؛ جزء للبيت، وآخر للأقارب والجيران، وجزء للفقراء والمحتاجين، فيما يُشرَّح بعض اللحم ويُملّح ثم يُجفف فيما يُعرف بـ»القفر» أو «الشريح». وبعد أسابيع من تجفيفه يُستخدم في إعداد أكلات شعبية معروفة مثل المرقوق والقرصان، ليبقى طعم العيد حاضراً حتى بعد انقضاء أيامه..
ومن المؤكد أن عيد الأضحى عند أهل الرياض لم يكن مجرد مناسبة للذبح والطعام، بل كان موسماً للتراحم والتعاون وصلة الأرحام، وبالتالي فقد تجلت فيه بساطة الحياة وجمال العادات القديمة، وبقيت تفاصيله راسخة في الذاكرة الشعبية جيلاً بعد جيل، وهو الشيء الجميل الذي يجعل من تلك الذكريات إرثاً إنسانياً لا يُنسى.