أحمد حفيص المرحبي
المملكة هي أعظم بلد في العالم ويكفينا فخراً أن تكون حاضنة للحرمين الشريفين ويقوم قادتها بخدمة الحرمين على مستوى لا يمكن وصفه ما عزّز راحة المسلمين سواء الزائرين أو الحجاج من كل فج عميق. هذه الأيام تودّع مملكتنا الغالية ملايين المسلمين الذين قدموا من مشارق الأرض ومغاربها لأداء فريضة الحج وكانت رحلتهم منذ الانطلاقة من بلدانهم رحلة مباركة وميسرة تحفّها الأيادي السعودية التي لم تدخر جهداً في سبيل راحتهم وتفرغهم للعبادة فرأينا مثلاً إطلاق مبادرة حاج بلا حقيبة في خطوة مبتكرة لتسهيل رحلة الحاج وتحسين تجربته، لأول مرة في هذا الموسم، والتي نجحت بشكل لافت في تقليص إجراءات سفر الحجاج في المطار من ساعتين إلى 15 دقيقة فقط، مما خفف الكثير من العناء عن ضيوف الرحمن.
وكذلك إضافة الكثير من البرامج التوعوية لرفع وعي الحجاج بالأنظمة والتعليمات وتسهيلها عليهم.
فقد صممت وزارة الحج برامج توعوية شملت نشر أكثر من 630 ألف مادة توعوية بعدة لغات، وتُوجت هذه الجهود بتعزيز منظومة الإرشاد الذكي وترجمة خطبة عرفة إلى أكثر من 50 لغة عالمية لتصل رسالة الحج للعالم أجمع وبكل بساطة.
ولأن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم ولا يمكن إطلاقاً أن يتم وقوف الحجيج على دفعات أو حتى توسيع نطاق الوقفة بعرفة فقد قامت حكومة المملكة بعمل تاريخي ولا يحدث في أي مكان آخر في العالم وهو استيعاب كل الحجاج في وقت ومكان محدد وبدقة عالية دون إصابات أو حوادث أو تدافع بل وحتى في ظل حرارة الطقس العالية قامت حكومتنا الرشيدة بتزويد مساحة تتجاوز (272) ألف متر مربع بمنظومة تبريد متكاملة تسهم في خفض درجات الحرارة وتعزيز راحة الحجاج أثناء وقوفهم في عرفات والمنطقة المحيطة بجبل الرحمة. وسجلت الهيئة السعودية للمياه أرقاماً قياسية حيث أعلنت عن توزيع أكثر من 7.2 ملايين متر مكعب من المياه في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة منذ بداية ذي الحجة وحتى اليوم التاسع، مع رفع قدرات الإنتاج إلى رقم قياسي يتجاوز 3.8 ملابين متر مكعب يومياً،، وفي يوم عرفة فقط تم توزيع 828.113 متراً مكعباً من المياه خلال يوم عرفة وحده، مما يعكس كفاءة المنظومة وموثوقيتها في مواكبة أوقات الذروة الاستهلاكية بكفاءة عالية وأمان مائي كبير. وعملت وزارة الحج والعمرة على تحسين البنية التحتية بشكل غير مسبوق عبر تنفيذ أكثر من 25 مشروعاً تطويرياً في المشاعر المقدسة، مسجلة بذلك زيادة ضخمة بلغت نسبتها 100% مقارنة بالعام الماضي، بهدف تيسير أداء النسك ورفع جودة الخدمات المقدمة بشكل خيالي يعجز وصفه.
فمثلاً تُعدّ منشأة الجمرات الحديثة من أبرز الشواهد الهندسية المتقدمة في إدارة الحشود، حيث تحولت المنشأة اليوم لتصبح قادرة على استيعاب أعداد هائلة بطاقة تتجاوز (300) ألف حاج في الساعة، مما يتيح تفويجاً مرناً وآمناً خلال ذروة أيام التشريق، ويتكون هذا المعلم الهندسي المتكامل من خمسة طوابق بطول يبلغ 950 متراً وعرض 80 متراً، مزوّداً بـ(11) مبنى للسلالم الكهربائية وعدة مخارج للطوارئ، ليقضي بشكل جذري على تحديات الازدحام في المساحات الضيقة التي كانت تتسبب في حدوث أزمات سابقاً.
ولا ننسى التغطية الإعلامية التاريخية فتم توحيد الرسالة الإعلامية لحج هذا العام تحت هوية «حياكم الله»، بمشاركة مركز العمليات الإعلامي الموحد، وتغطية أكثر من 150 وسيلة إعلامية وأكثر من 3000 إعلامي، مما أسفر عن إنتاج أكثر من 100 ألف مادة إعلامية حققت تفاعلاً ضخماً تجاوز 11 مليار مشاهدة حول العالم وهنا يكمن الدور البديع لوزارة الإعلام السعودية الرائدة.
وعملت السعودية للطاقة في موسم حج هذا العام بشكل خرافي وغير مسبوق على أتمتة عمليات إنتاج الطاقة وقدمت الخدمة الكهربائية لأكثر من مليوني حاج وكل ما ذكر آنفاً من أرقام بموثوقية عالية وبصفر انقطاع وصفر حوادث وتسجيل أحمال تاريخيّة لأول مرة ويعتبر هذا الإنجاز تجسيد لدعم القيادة الرشيدة وجاهزية المنظومة التي تعمل بكوادر وطنية سخّرت طاقتها لخدمة ضيوف الرحمن.
ولا أنسى عشرات الآلاف من رجال الأمن والصحة والمتطوعين الذين سخروا كافة الجهود لخدمة ضيوف الرحمن بكل تفان وحب، ابتعدوا عن أسرهم واقتربوا من الحجيج فجزاهم الله خير الجزاء.
إن ما ذكر هو جزء بسيط من جهود حكومة خادم الحرمين الشريفين رعاها الله التي تعمل بصمت منذ نهاية موسم الحج للعام الماضي وجعلت العالم كله شاهداً على نجاح هذا الموسم العظيم بكل المقاييس.