د. عبدالمحسن الرحيمي
ثلاثة تريليون ريال تُضخ عبر ممكنات الاقتصاد، وقطاع غير ربحي يتجاوز 3.3 في المائة من الناتج المحلي... هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أداء مالي، بل تكشف عن تحول أعمق في بنية الاقتصاد السعودي، حيث لم يعد النمو هدفًا بحد ذاته، بل نتيجة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنتاج والقيمة، في مرحلة تشهد انتقالًا نوعيًا من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يُبنى على الوعي.
حين أشار معالي وزير المالية محمد الجدعان إلى حجم الممكنات الاقتصادية التي يتم ضخها لدعم القطاع الخاص، فإن هذا التصريح لا يعكس فقط قوة مالية أو توسعًا في الإنفاق، بل يعكس تحولًا في فلسفة إدارة الاقتصاد، حيث لم تعد الدولة تقود النشاط الاقتصادي بشكل مباشر كما في النماذج التقليدية، بل تعيد تصميمه، وتبني بيئة ممكنة، وتعيد توزيع الأدوار بين الفاعلين، بحيث يتحول القطاع الخاص من منفذ إلى شريك في إنتاج القيمة.
هذا التحول لا يظهر في السياسات الكبرى فقط، بل يتجلى في تفاصيل المنظومة الاقتصادية، من التشريعات إلى الحوافز، ومن التمويل إلى البنية التحتية، حيث لم يعد الهدف تحفيز النمو بشكل عام، بل بناء اقتصاد قادر على إنتاج نفسه، وعلى الاستمرار دون الاعتماد المستمر على التدخل المباشر، وهو ما يعكس انتقالًا من اقتصاد تقوده الدولة إلى اقتصاد تصممه الدولة ويقوده السوق.
غير أن التحول الأهم لا يكمن في التمويل أو الأدوات، بل في إعادة تعريف “الإنتاج” نفسه، حيث لم يعد يُفهم بوصفه عملية تصنيع أو تقديم خدمة فقط، بل بوصفه منظومة متكاملة تشمل المعرفة، وسلاسل الإمداد، والقدرات البشرية، والبنية التنظيمية، وهو ما يظهر بوضوح في سياسات توطين الصناعات، التي لم تعد مجرد خيار اقتصادي، بل أصبحت ركيزة إستراتيجية لتحقيق الاستدامة، وتقليل الاعتماد على الخارج، وبناء قدرة وطنية متكاملة على الإنتاج.
فالصناعة في هذا السياق لم تعد قطاعًا منفصلًا، بل أصبحت نقطة تقاطع لعدة سياسات: التوظيف، والتعليم، والابتكار، والاستثمار، وهو ما يجعل توطين الصناعات عملية مركبة تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد من الداخل، لا مجرد إضافة مصانع إلى خارطة الإنتاج.
وفي هذا الإطار، تأتي مبادرات مثل “صنع في السعودية” لتؤكد أن التحول لا يقتصر على الإنتاج، بل يمتد إلى إدراكه، حيث لا يهدف البرنامج فقط إلى دعم الشركات الوطنية أو زيادة الصادرات، بل إلى إعادة بناء العلاقة بين المستهلك والمنتج المحلي، وتحويله من خيار بديل إلى خيار واعٍ، قائم على الثقة والجودة والانتماء، وهو ما يعكس تحولًا في السياسة الاقتصادية من إدارة السوق إلى تشكيل سلوك السوق.
لقد وقعت كثير من الاقتصادات في خطأ اختزال الصناعة في بعدها الكمي، حيث تم التركيز على عدد المصانع أو حجم الإنتاج، دون الالتفات إلى القيمة التي تحملها هذه المنتجات، أو إلى موقعها في سلاسل القيمة العالمية، إلا أن التجربة السعودية تشير إلى اتجاه مختلف، حيث لا يتم بناء الصناعة لتكون مجرد استجابة للطلب، بل لتكون تعبيرًا عن قدرة وطنية متكاملة، قادرة على المنافسة، وعلى التوسع، وعلى الاستمرار.
وهنا يظهر الفرق بين اقتصاد يسعى إلى زيادة الإنتاج، واقتصاد يسعى إلى تعميق الإنتاج، حيث لا يكون الهدف إنتاج المزيد فقط، بل إنتاج ما يضيف قيمة حقيقية، وما يعزز موقع الاقتصاد في المنافسة العالمية، وهو ما يتطلب بناء سلاسل قيمة محلية، والتحكم في مراحل الإنتاج المختلفة، من المواد الخام إلى المنتج النهائي.
كما أن التوسع في توطين الصناعات يعكس إدراكًا متقدمًا لأهمية السيادة الاقتصادية، حيث لا يُقصد بها الانغلاق، بل القدرة على التوازن، بحيث يكون الاقتصاد قادرًا على التفاعل مع العالم دون أن يكون معتمدًا عليه بشكل كامل، وهو ما يعزز مرونة الاقتصاد، ويقلل من تأثير الصدمات الخارجية.
وفي هذا السياق، يبرز دور القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي لهذا التحول، حيث لم يعد دوره مقتصرًا على تنفيذ المشاريع الحكومية، بل أصبح شريكًا في صياغة الاتجاه الاقتصادي، ومدفوعًا بمنظومة ممكنات تشمل التمويل، والتشريعات، والحوافز، والبنية التحتية، وهو ما يرفع من قدرته على الابتكار، وعلى التوسع، وعلى تحمل المخاطر.
كما أن صعود القطاع غير الربحي، وتجاوزه نسبة 3.3 في المائة من الناتج المحلي، يشير إلى أن الاقتصاد السعودي لم يعد يركز فقط على النمو، بل على الأثر، حيث يتم إدخال البعد الاجتماعي ضمن المنظومة الاقتصادية، بحيث لا يكون النمو منفصلًا عن جودة الحياة، ولا يكون الإنتاج منفصلًا عن الإنسان، وهو ما يعزز التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية المجتمعية.
إن ما يحدث في المملكة اليوم لا يمكن اختزاله في أرقام الميزانية أو في مؤشرات الأداء، لأنه في جوهره يعكس تحولًا في طريقة التفكير الاقتصادي، حيث لم يعد الإنتاج هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لبناء قيمة أوسع، ولم يعد النجاح يُقاس بحجم الناتج فقط، بل بقدرته على الاستمرار، وعلى التأثير، وعلى تحسين جودة الحياة.
ومن هنا، فإن الربط بين تمكين القطاع الخاص، وتوطين الصناعات، وتعزيز المنتج الوطني، لا يمثل مسارات منفصلة، بل يعكس سياسة اقتصادية متكاملة تعيد تشكيل الاقتصاد من الداخل، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الإنتاج أكثر عمقًا، وأكثر ارتباطًا بالهوية الوطنية، وأكثر قدرة على المنافسة عالميًا، وأكثر تأثيرًا في حياة الإنسان.
وفي المحصلة، فإن التحول السعودي اليوم لا يتمثل فقط في تنويع مصادر الدخل، بل في إعادة تعريف معنى الاقتصاد نفسه، حيث لم يعد الاقتصاد مجرد أرقام تُدار، بل منظومة تُبنى على الوعي، وعلى القدرة، وعلى الأثر، وهو ما يجعل هذه المرحلة أقرب إلى تأسيس نموذج مختلف في التنمية، يقوم على الجمع بين الإنتاج والمعنى، وبين النمو والاستدامة، وبين السوق والمجتمع.
الخلاصة:
الاقتصاد لا يُقاس بما نُنتجه فقط...
بل بقدرتنا على تحويل هذا الإنتاج إلى أثرٍ مستدام.