صالح الشادي
ليس عيباً أن يختلف إنسان عن آخر في تصوراته ورؤاه، فالفارق بين المراحل العمرية أمر طبيعي وبديهي، مرده إلى اختلاف التجربة والبيئة ومستوى الوعي. لكن الذي يغفل عنه كثيرون أن الأهم من كل ذلك هو النضج الزمني، ذلك النضج الذي لا يأتي بمجرد الممارسة واكتساب الخبرات فحسب، بل بالنمو النفسي والعقلي الذي يمتد من مراحل الطفولة المبكرة حتى بلوغ الإنسان الأربعين من عمره تحديداً. بعد هذه المحطة، يتحول الأمر إلى رويّة وحكمة تؤثر بعمق على طريقة التفكير وأسلوب اتخاذ القرار.
كلنا -رجالاً ونساءً- مررنا بمراحل التحول تلك. في كل مرحلة كنا نعتقد بيقين أننا على صواب، وأن من هم خارج دائرة أعمارنا لا يفهموننا، وإن جاملناهم فذلك من باب التلطف لا الاقتناع. كنا نستمع إلى النصيحة ونشكر قائلها، بل ربما نعجب بحكمتها، لكن قلما كنا نأخذ بها. كانت العاطفة هي القائد، والفطرة هي المسيطرة، والحاجات والاهتمامات متفاوتة من عمر إلى آخر، بل من عام إلى عام.
لهذا، لا تلم من لم يستمع إلى نصيحتك أو لم يحرص على ما حرصت عليه. لا تحمل هم من أغفل رؤيتك للحياة؛ فسيكبر ويتعلم. لا تقلق على من لم يسترشد بمن هم أكبر منه سناً؛ دعه فسينضجه الزمن حتماً. هذا الكلام ليس انتقاصاً من أحد ولا انتقاداً لطباع، بل هو وصف لطبيعة عمرية ثابتة: لكل مرحلة قناعاتها واحتياجاتها وفقهها الخاص.
لكن الأهم في كل هذا المسير هو المعرفة، ومحاولة كسبها بصدق وإلحاح. والأهم في المعرفة هو معرفة الله: من هو ولماذا خلقنا، ومفهوم العبادة الحقيقي الذي لا ينفصل عن عمارة الأرض، والإيمان بالقدر خيره وشره، والإجابة عن الأسئلة المصيرية: من أين جئنا؟ وإلى أين نحن سائرون؟ حين تغيب هذه الأسئلة عن القلب، يتحول الجهد البشري إلى لهاث خلف الدنيا ومعانقة لها دون التفات إلى المحطات الأبعد التي تلي السماء. وتلك هي الكارثة الكبرى، التي سيدرك فداحتها كل من غفل عن هذه النقطة، ولو بعد حين.
عيشوا حياتكم، ولا تقلقوا على غيركم كثيراً، بل اقلقوا على أنفسكم: هل أنتم على الدرب الصحيح سائرون؟ النضج الحقيقي ليس أن تفرض حكمتك على الآخرين، بل أن تعيشها في صمت، فتكون قدوة لا معاتباً، ومعلماً لا متسلطاً. فالزمن - وحده - معلم لا يخطئ، وإن تأخر درسه.