أمل حمدان الشريف
لم تعد منصات التواصل الرقمي مجرد أدوات للتعبير أو ساحات لتبادل الرأي، بل تحولت في كثير من صورها إلى فضاءات واسعة تختلط فيها المفاهيم، وتتشابك فيها الدوافع، حتى بات من الصعب أحيانًا التمييز بين النقد بوصفه قيمة إصلاحية، وبين النقد بوصفه قناعًا يخفي وراءه رغبة في الظهور وتسريع الوصول إلى دائرة الضوء.
وفي خضم هذا الحضور الكثيف، برزت ظاهرة لافتة، تتجلى في الاستخدام المفرط للخطاب النقدي بوصفه وسيلة جذب لا وسيلة إصلاح، حيث يُعاد تقديم الآراء في قالب حادّ ومشحون، لا بهدف تصويب الخطأ، بل بهدف صناعة تفاعل سريع، يختصر الطريق نحو الشهرة ولو على حساب الدقة والإنصاف.
ولعل ما يضاعف خطورة هذا المشهد أن سرعة الانتشار باتت معيارًا ضمنيًا لتقييم «نجاح» المحتوى، بغض النظر عن قيمته أو أثره، الأمر الذي أسهم في ترسيخ نمط من الخطاب يعتمد على الإثارة أكثر من اعتماده على الفهم، وعلى الانطباع السريع أكثر من اعتماده على التحليل الهادئ.
وفي مقابل ذلك، يتراجع المعنى الحقيقي للنقد، بوصفه أداة إصلاح وبناء، لا وسيلة استعراض أو تصفية حضور. فالنقد المسؤول يفترض معرفة، وتوازنًا، وحرصًا على الأثر، بينما ما نشهده في بعض المساحات الرقمية بات أقرب إلى «مواقف لحظية» تُصاغ باندفاع، وتُستهلك بسرعة، ثم تُستبدل بغيرها دون مراجعة أو تمحيص.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: ماذا يبقى من قيمة الكلمة حين تنفصل عن مسؤوليتها، وتتحول إلى مجرد أداة لعبور سريع نحو الشهرة؟
إنها في هذه الحالة تفقد جوهرها، وتتحول من رسالة إصلاح إلى وسيلة حضور، ومن أداة وعي إلى وسيلة ضجيج.
ولا يقف الأثر عند حدود المحتوى، بل يمتد إلى تشكيل الذائقة العامة، حيث يعتاد المتلقي على الخطاب الحاد والسريع، ويضعف لديه الميل إلى التأمل، ويتراجع تقديره للطرح الهادئ المتزن، لصالح ما يثير الجدل ويضمن الانتشار، ولو كان ذلك على حساب الحقيقة.
وفي المقابل، تظل هناك نماذج أكثر اتزانًا، تدرك أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حضورًا، وأن النقد قيمة لا تُقاس بمدى انتشاره، بل بمدى أثره في التصحيح والإصلاح. وهذه النماذج، وإن كانت أقل ضجيجًا، إلا أنها أكثر رسوخًا وأعمق أثرًا.
لقد أثبتت التجربة أن المجتمعات لا تُبنى على الضجيج، ولا تتقدم على إيقاع الاستفزاز، بل على خطاب واعٍ يوازن بين حرية التعبير ومسؤولية الأثر، ويضع لكل كلمة وزنها الحقيقي بعيدًا عن ضغط اللحظة وسرعة التفاعل.
وفي النهاية، يبقى التحدي الحقيقي أمام الفضاء الرقمي هو استعادة المعنى، لا سرعة الانتشار؛ واستعادة القيمة، لا وهج الظهور. فحين يعود النقد إلى مكانه الطبيعي كأداة إصلاح لا وسيلة شهرة، تستعيد الكلمة توازنها، ويستعيد الوعي قدرته على التمييز بين ما يُقال لي وما يُقال ليُستهلك.