إيمان حمود الشمري
لماذا تريد أن تنجح؟ أهم سؤال يجب أن تسأله لنفسك لتتحقق من صحة شغفك، هل هو شعور طبيعي يمنحك المعنى، أم حالة تستنزفك وتبتلع هويتك؟ إجابتك لا تحدد ما الذي تفعله فقط، بل تكشف من تكون.. وليس بالضرورة أن يعرف الجميع حقيقتك بقدر ما هو مهم أن تعرفها أنت أولاً.! فالنجاح ليس استعراضاً ولا أسماءً تُكتب بالخط العريض، ولا قيمة تنتظر حصد نظرات الإعجاب لتثبت نفسها، فكم من نجاح غير مرهون بالتداول ولا بوسائل التواصل ولم يجمع مشاهدات ولا حتى تفاعل ومع ذلك كان ذو معنى وأثر عميق.
هناك آلاف النجاحات الصامتة خلف جدران البيوت تستحق الإشادة وتستحق من يكتب عنها ويمنحها شيئاً من الضوء.. إنجازات يومية لا تجد اهتماماً في مجلس مكتظ بالإنجازات المعلنة، تنظر بدونية لشخص يعيش حياة هادئة ولكنها كريمة، يخجل أن يتحدث عن نفسه وكأنه شخص فاشل لأن اسمه لم يبرق في الفضاء الرقمي! وكأن القيام بالمسؤوليات اليومية، وتحمل الأعباء، والتعفف عن سؤال الناس، ليست إنجازات تستحق التقدير ما دامت بعيدة عن الأضواء، برغم أن أعظم الأضواء أحياناً هي تلك التي تنير عتمة صاحبها، لا تلك التي تجذب أنظار الآخرين، فحتى الذباب والبعوض ينجذب إلى الضوء!
هناك طالب يكافح بصمت ليبني مستقبله، وباحث عن عمل يرسل سيرته الذاتية يومياً على أمل أن يجد فرصة تليق بتعبه وطموحه دون أن يستسلم، وهناك أم تقضي يومها في تربية أبنائها، تتابع تفاصيلهم الصغيرة قبل الكبيرة، ماذا يأكلون؟ ماذا يشاهدون في هواتفهم؟ كيف هو مستواهم الدراسي؟ وما الذي يشغل قلوبهم وأحلامهم؟ تشاركهم ميولهم، وتحتوي مخاوفهم، وتسند خطواتهم الأولى نحو الحياة لتنشئ جيلاً واعيا يبني وطناً.. أليس هذا نجاحاً عظيماً؟
فلماذا يُقلّصها لقب «ربة منزل» وكأنه شيء أقل مما تستحق وكأن قيمتها لا تكتمل إلا إذا امتلكت مشروعاً خاصاً أو اسماً تجارياً يمنحها احترام العالم وتقديره!
وهناك أب يعود متعباً آخر النهار، عالقاً وسط زحام شوارع الرياض، يواجه يومياً الحر، وضغط العمل، وثقل المصاريف، فقط ليمنح أسرته حياة كريمة، يجلس معهم رغم إرهاقه، يخطط بحب لرحلة نهاية العام، ويحاول أن يصنع لهم لحظات آمنة وذكريات دافئة وسط صخب الحياة.. قد لا يظهر اسمه في منشور يتحدث عن إنجاز استثنائي، لكن توفيره لحياة مستقرة لأسرته، وسعيه لتأمين احتياجاتهم الدراسية واليومية، هو بحد ذاته إنجاز يستحق الفخر والتقدير.. لا تبحث عن النجاح في كلمات الإعجاب القادمة من الخارج، بل ابحث عنه في تفاصيلك اليومية.. في قدرتك على الاستمرار، وفي رضاك عن نفسك، ورضا الذين يعيشون أثر تعبك ومحبتك كل يوم.
غير مهم أن تلمع بلقاء تلفزيوني وبيتك هش من الداخل، فبعض النجاحات لو اقتربت منها لوجدتها مشوهة، مجرد وجاهة وإرضاء غرور أكثر من كونها نجاحات متزنة وحقيقية، لذا لا يغريك بريقها، فالإنسان السوي لا يرضى أن يكون لامعاً في العلن ومنهكاً في داخله، مبهراً أمام الناس لكنه بائس حين يختلي بنفسه، اللمعان الحقيقي هو أن تكون راضيا عن نفسك أولاً، وفخورا بإنجازات مخفية قد لا تستطيع أن ترفع صوتك بها لشدة خصوصيتها وعمق أثرها فيك، فهناك معارك حقيقية نخوضها بعيداً عن الأضواء نحارب فيها الظروف، نسقط ونتألم ونعيد التجربة لننهض من جديد، لا أحد يعلم عن تلك الصراعات التي تعيشها، برغم أنها ذات قيمة عالية ولكنها غير قابلة للنشر، رحلة كفاحك ليست بالضرورة أن تتحول إلى مادة للعرض والإعجاب، أنت لست سلعة ولا إعلاناً تجارياً يبحث عن الانتباه.. أنت لست استبيانا مُعلنا يضع فيه الآخرون علامة صح بحسب آرائهم، ولا سلعة ترضي الأذواق.. أنت إنسان له قيمته حتى لو لم يصفّق له أحد.