ناصر بن فريوان الشراري
ليست المدن مجرد كتل من الإسمنت والأسفلت، ولا هي مجرد شوارع متقاطعة يعبرها العابرون في غمرة انشغالهم، المدن كائنات حية تتنفس، تشحب حين يُهملها التخطيط وتتوارى خلف روتين الإدارة، وتشرق وتختال جمالاً حين تصافحها سواعد المخلصين، فتحول ترابها إلى حكاية نماء، ومن يرقب تفاصيل محافظة «القريات» اليوم، يدرك تماماً أن عاماً واحداً من العمل المخلص كان كفيلاً بأن يقلب الموازين، وينفض عنها غبار الركود، ليرسم على وجه هذه المدينة العريقة ملامح نضارة وعذوبة قل نظيرها.
بالأمس القريب، كانت القريات وادعة في صمتها، كأنها تنتظر من يكتشف مكنون تميزها، إذ كانت تفتقر للعديد من الخدمات البلدية الضرورية التي تمنح المدن روحها الحيوية، ودون مقدمات تقليدية أشرقت على العمل البلدي فيها روح تنموية شابة وطموحة، تمثلت في رئيس بلدية المحافظة المهندس جمال بن عبدالدايم البلوي وزملائه الكرام، هذا الفريق الإداري والهندسي لم يأتِ ليدير من مكاتب مغلقة أو يكتفي بالتقارير الورقية، بل جاء يحمل مشروعاً متكاملاً، وهوية بصرية وبيئية واضحة المعالم، تسابق الزمن لإعادة صياغة تفاصيل المحافظة، وفي فترة وجيزة، تحولت الأفكار والخطط الطموحة إلى واقع ملموس يتبختر حسناً وبهاءً في شوارع المدينة وميادينها.
إن هذا التحول المتسارع الذي تشهده القريات اليوم لا يقف عند حدود التجميل الظاهري، بل يمثل تطبيقاً حقيقياً وعميقاً لمفهوم «أنسنة المدن»، هذا المفهوم النبيل الذي يجعل الإنسان صلب العملية التنموية وهدفها الأسمى، تماشياً مع مستهدفات جودة الحياة في رؤية المملكة الطموحة 2030، لقد أصبحت الحدائق الغناء تسور المحافظة، مجهزة ببيئات ترفيهية آمنة ومبهجة تحتضن طفولة أبنائنا وتمنح العائلات متنفساً يليق بهم، ولم يعد الشارع في عرف البلدية مجرد ممر عابر للمركبات، بل غدا فضاءً حيوياً يعزز الصحة العامة، ولعل الممشى الحديث الممتد على طول شارع ابن سيناء من جهة الشمال يقف اليوم شاهداً حياً على هذا الفكر التنموي الذي يضع رفاهية الإنسان في مقدمة أولوياته، حتى غدت القريات واحة خضراء تستدعي إلهام الشعراء ليتغنوا بحسنها البديع.
ولأن التنمية الحقّة شجاعة قبل أن تكون تخطيطاً، لم يتوقف هذا الحراك عند حدود التشجير والتجميل، بل امتد ليعالج «تشوهات السنين» بجرأة علمية لافتة، فلقد عانت شوارع المحافظة ردحاً من الزمن من عشوائية المطبات الاصطناعية التي كانت تُقام بلا معايير هندسية، مما تسبب في إلحاق الضرر بمركبات المواطنين والمقيمين وتشويه المظهر العام للمدينة، وهنا تجلت الإدارة المسؤولة من خلال القرار الشجاع بإزالة هذه العشوائيات، وإعادة تنظيم الحركة المرورية بأسلوب هندسي دقيق وانسيابي، ليؤكد هذا الإجراء أن التنمية الحقيقية هي التي تزاوج بين الجمال البصري والانسيابية العملية التي تخدم تفاصيل الحياة اليومية للناس.
إن هذا النجاح الاستثنائي لم يكن ليرى النور أو يحقق هذه القفزات لولا توافر معادلة تكاملية فريدة، فخلف هذا الجهد الميداني المضني تقف رعاية توجيهية سديدة ودعم مستمر لا ينقطع من محافظ القريات الدكتور طلال بن مشل التمياط، الذي يعمل جاهداً على تذليل العقبات، ويتابع بدقة كل ما من شأنه خدمة المواطن والمقيم، وحينما تلتقي روح القيادة الحكيمة، والتصور الواضح للمشاريع البنيوية، والنية الصادقة في العطاء، تكون النتيجة حتماً عملاً على قدر عالٍ من الدقة، والتميز، والاستدامة، القريات اليوم ليست مجرد محافظة على خارطة الوطن، بل هي البوابة الشمالية النابضة بالحياة، والتي باتت تعبر بكل ثقة عن نهضة السعودية الحديثة.
شكراً لكل من عمل بجد واجتهاد لتصبح القريات بهذا المظهر الحضاري المشرق، شكراً لكل من وضع في أرضها بصمة راسخة لن يتجاوزها الزمن، وصنع فارقاً تنموياً جديراً بالفخر، وشكراً لكل يد مخلصة ساهمت في إطلاق هذا السباق التنموي الجدير بالإشادة.
ولبلديتنا الموقرة وقائدها وفريق عمله نقول: سيروا على هذا النهج المستنير، فأنتم في الطريق الصحيح، والقريات اليوم بأهلها وتاريخها تفخر بكم، وتجني معكم ثمار الإخلاص والوفاء للوطن.