أحمد بن محمد الغامدي
بينما كانت شمس مكة المكرمة تودع حجيج بيت الله الحرام، كان المشهد في المشاعر المقدسة يتجاوز حدود التوصيف المعتاد للنجاح؛ فقد صنعت المملكة قصة نجاح جديدة، تُروى للعالم بلغة التنظيم، والإنسانية، والاحتراف، أكدت مجددًا أن الحج ليس مجرد إدارة لآلاف الحشود، بل ملحمة إنسانية، وحكاية حب وتفانٍ تكتبها قيادة وشعب نذروا أنفسهم لخدمة ضيوف الرحمن، جاعلين منه الأولوية الأولى والغاية الأسمى.
في كل موسم حج، لا تقتصر المشاهد المؤثرة على الطواف والسعي والدعوات المرفوعة في المشاعر المقدسة، بل تمتد إلى تلك الوجوه التي تعمل بصمت خلف الكواليس؛ قصص إنسانية تدمع لها العين فخرًا، ففي صعيد عرفات مثلًا، اتجهت الأنظار نحو ذلك الجندي الذي لم تثنه حرارة الشمس عن تبريد أجساد المنهكين برشاشات المياه، أو ذلك الشاب المتطوع الذي حمل حاجًا مسنًا على ظهره ليوصله إلى مراده في ممرات المشاعر. رأينا رجل أمن ينحني ليربط حذاء حاج تعب، وآخر يبتسم في وجه ضيف لا يفهم لغته، لكنهما تفردا بلغة الإنسانية الواحدة، هذه التفاصيل هي التي تصنع «الفارق السعودي»، وهي التي تجعل من الحج تجربة روحانية لا تُنسى.
لعل أكثر ما يلفت الانتباه هذا الموسم هو الحضور المهيب لرجال الأمن، الذين كانوا عنوانًا للانضباط والإنسانية في آنٍ واحد، لم يكن دورهم مقتصرًا على حفظ الأمن وتنظيم الحشود، بل تجاوز ذلك إلى تقديم صورة حضارية راقية تعكس أخلاق الإنسان السعودي وقيمه. كثير من الحجاج وثّقوا عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل مواقف مؤثرة لرجال الأمن، بدءًا من حمل كبار السن، مرورًا بمساعدة المرضى، ووصولًا إلى التعامل الراقي مع ضيوف الرحمن بمختلف لغاتهم وثقافاتهم.
الأرقام هذا العام كانت شاهدًا على حجم هذا النجاح، فقد أعلنت الهيئة العامة للإحصاء أن إجمالي أعداد الحجاج في موسم حج 2026 بلغ 1.707.301 حاج وحاجة، من بينهم 1.546.655 حاجًا قدموا من خارج المملكة عبر المنافذ الجوية والبرية والبحرية، فيما بلغ عدد حجاج الداخل 160.646 من المواطنين والمقيمين، ووصل عبر المنافذ الجوية وحدها 1.485.729 حاجًا، في دلالة واضحة على حجم الجهود اللوجستية والتنظيمية التي بُذلت لضمان انسيابية الحركة وسلامة التنقل.
هذا النجاح المبهر لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة مباشرة لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- الذين سخروا كل إمكانات الدولة المادية والبشرية لضمان سلامة وراحة ضيوف الرحمن.
إن خدمة الحرمين الشريفين شرف عظيم تحمله المملكة بمسؤولية واقتدار، وهو ما تجلى في التناغم المنقطع النظير بين وزارة الداخلية، ووزارة الحج والعمرة، ووزارة الصحة، ووزارة النقل، وكافة القطاعات الأمنية والخدمية.
ختاماً، إن نجاح موسم حج 2026 هو رسالة سعودية للعالم أجمع: أننا نكبر بضيوفنا، ونعتز بخدمتهم، وأن الإنسان في هذه الأرض سيظل دائماً وأبداً.. أولاً.