د.عبدالرحيم محمود جاموس
مع إتمام حجاج بيت الله الحرام مناسك الحج للعام 1447هـ، ووقوفهم على صعيد عرفات الطاهر، ونفرتهم إلى مزدلفة، وإفاضتهم إلى منى لأداء شعائرهم ومناسكهم، تتجلى أمام العالم صورة الإسلام في أنقى معانيه وأسمى مقاصده، حيث تجتمع الملايين من المسلمين من مختلف الشعوب والأجناس والأعراق والثقافات تحت راية التوحيد، متجردين من الفوارق والألقاب والمكانات، ومتساوين أمام الله تعالى في مشهد إيماني وإنساني فريد لا نظير له في العالم.
لقد أتم الحجاج مناسكهم لهذا العام بيسر وسهولة وأمن وطمأنينة، بفضل الله سبحانه وتعالى أولاً، ثم بفضل الجهود الاستثنائية التي بذلتها المملكة العربية السعودية قيادةً وحكومةً وشعباً، وتسخيرها كل الإمكانات البشرية والتقنية واللوجستية والصحية والأمنية لخدمة ضيوف الرحمن، بما مكّنهم من أداء مناسكهم في أفضل الظروف وأكثرها راحة وأماناً.
وقد أثبتت المملكة العربية السعودية، كما في كل عام، قدرتها الفائقة على إدارة وتنظيم أكبر تجمع بشري سنوي على وجه الأرض، من خلال منظومة متكاملة من الخدمات الحديثة والبنية التحتية المتطورة والتقنيات الذكية والخطط الأمنية والصحية المحكمة، التي وضعت سلامة الحجاج وراحتهم في مقدمة الأولويات، وعكست مستوىً رفيعاً من الكفاءة والتخطيط والجاهزية والاحترافية.
ويعود هذا النجاح الكبير، بعد توفيق الله تعالى، إلى الرعاية الكريمة والاهتمام المباشر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وإلى المتابعة الحثيثة والإشراف المتواصل من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، اللذين يوليان خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما عناية خاصة، انطلاقاً من المسؤولية الدينية والتاريخية التي تضطلع بها المملكة تجاه الإسلام والمسلمين.
إن الحج ليس مجرد شعائر ومناسك تؤدى في زمان ومكان محددين، بل هو رسالة إيمانية وإنسانية وحضارية متكاملة، تحمل في مضامينها أسمى معاني العبودية لله تعالى، وتجسد وحدة الأمة الإسلامية وتماسكها، وتؤكد قيم المساواة والعدل والتسامح والتكافل والتعاون بين البشر.
وفي الحج تتجلى حقيقة الإسلام كرسالة عالمية للخير والسلام، حيث يلتقي المسلمون من مختلف أنحاء العالم، ويتعارفون ويتبادلون الخبرات والثقافات والمعارف، في صورة حضارية راقية تعكس عالمية هذا الدين العظيم وقدرته على جمع البشر على قيم الرحمة والمحبة والاحترام المتبادل.
كما يمثل الحج مدرسة تربوية وأخلاقية وروحية يتعلم فيها المسلم الصبر والانضباط والتجرد والإخلاص والتواضع، ويستشعر معاني المسؤولية الفردية والجماعية، ويعود منها أكثر ارتباطاً بخالقه، وأكثر حرصاً على خدمة مجتمعه وأمته والإنسانية جمعاء.
لقد تابع العالم الإسلامي، بل والعالم بأسره، ما وفرته المملكة العربية السعودية من خدمات نوعية ومبادرات متقدمة وتقنيات حديثة ومشروعات عملاقة في المشاعر المقدسة والحرمين الشريفين، وما بذلته مختلف الأجهزة والمؤسسات الحكومية والأمنية والصحية والخدمية والتطوعية من جهود متواصلة على مدار الساعة، الأمر الذي جعل موسم الحج لهذا العام نموذجاً عالمياً يحتذى به في الإدارة والتنظيم وحسن الأداء.
وما عبّر عنه الحجاج من مشاعر الامتنان والتقدير والثناء للمملكة العربية السعودية وقيادتها ومؤسساتها، إنما يعكس حجم الجهد المبذول والإخلاص في أداء هذه الرسالة العظيمة، ويؤكد المكانة الرفيعة التي تحتلها المملكة في وجدان المسلمين باعتبارها راعية الحرمين الشريفين وخادمة ضيوف الرحمن.
وفي كل عام، يثبت موسم الحج أن الإسلام دين نظام ورحمة ووحدة وحضارة، وأن خدمة ضيوف الرحمن شرف عظيم ومسؤولية جسيمة تنهض بها المملكة العربية السعودية بكل اقتدار وإخلاص. كما يثبت أن الاستثمار في الإنسان، وفي الأمن والخدمة والتنظيم والتقنية، هو السبيل إلى تحقيق النجاح والتميز في إدارة هذا الحدث الإيماني العالمي الفريد.
لقد غادر الحجاج المشاعر المقدسة وهم يحملون معهم ذكريات عامرة بالإيمان والسكينة والامتنان، ويشهدون بما لمسوه من حسن الرعاية والتنظيم وكرم الضيافة، لتبقى المملكة العربية السعودية، بقيادتها الحكيمة وشعبها الكريم ومؤسساتها الوطنية، نموذجاً مشرفاً في خدمة الإسلام والمسلمين، وحاضنةً للحرمين الشريفين وقبلةً لملايين المؤمنين من أنحاء العالم.
نسأل الله تعالى أن يتقبل من الحجاج حجهم وسعيهم وطاعاتهم، وأن يجزي المملكة العربية السعودية خير الجزاء على ما تقدمه من خدمات جليلة للحرمين الشريفين وقاصديهما، وأن يحفظ قيادتها وشعبها، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وأن يجعل مواسم الحج والعمرة دائماً مواسم خير وبركة ووحدة للأمة الإسلامية جمعاء.
وكل عام والأمة العربية والإسلامية بخير، وعيد أضحى مبارك، أعاده الله على الجميع بالخير واليمن والبركات.